38/04/22


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/04/22

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: دليل الانسداد

إلى هنا قد تبين أن ما ذكره السيد الاستاذ(قده) من أن معنى الحكومة في المسألة هي حكم العقل بالتبعيض في الاحتياط وأن الحاكم في باب الامتثال والإطاعة هو العقل فالعقل يحكم بتقديم الامتثال الظني على الامتثال الشكي والوهمي، وذلك حيث يتعذر الاحتياط التام أو لعدم وجوبه لاستلزامه العسر والحرج فيدور الأمر بين الاحتياط في المظنونات وترك الاحتياط في الموهومات والمشكوكات أو بالعكس وحيث أن العكس ترجيح للمرجوح على الراجح وهو قبيح لدى العقل فمن أجل ذلك يستقل العقل بتقديم الامتثال الظني على الامتثال الشكي والوهمي.

هكذا ذكره السيد الاستاذ(قده).

وللمناقشة فيه مجال: فإن الظن إذا لم يكن معتبرا شرعا فلا يصلح أن يكون مرجحا لا شرعا كما هو واضح ولا عقلا فإن حكم العقل بشيء لا يمكن أن يكون جزافا وحكما تعبديا فالعقل لا يحكم بشيء بدون ان يحرز ملاك حكمه فالتعبد في الحكم العقلي غير معقول وإنما هو متعقل في الحكم الكائن بين الموالي والعبيد وأما في حكم العقل والسيرة العقلائية فالتعبد غير متصور.

وعليه فما هو ملاك حكم العقل في المقام؟

أما العلم الإجمالي فتنجيزه بالنسبة إلى جميع أطرافه على حد سواء بلا فرق بين الطرف الذي يكون الحكم فيه مظنونا أو مشكوكا أو موهوما، والعقاب والإدانة إنما هو على مخالفة التكليف المحتمل لا على مخالفة الواقع، فإذا خالف التكليف المحتمل استحق العقاب إما في صورة المطابقة فواضح واما في صورة عدم المطابقة فلأنه تجرٍ على المولى وتعدٍ عليه ومن أظهر مصاديق الظلم وهو تفويت لحق المولى ومن هنا قلنا في باب التجري أن الإدانة والعقوبة إنما هي على التجري لا على ترك الواقع ومخالفته.

وعلى هذا فأقوائية الظن في الكشف عن الواقع لا أثر له ولا يصلح أن يكون ملاكا لحكم العقل بتقديم الظن على الشك والوهم لأن وجود الواقع وعدمه سيان إذ المناط في العقوبة إنما هو على احتمال التكليف المنجز كان مخالفا للواقع أم لا، فأقوائية كشف الظن عن الواقع لا أثر لها.

وعلى هذا فلا ملاك لحكم العقل بتقديم الامتثال الظني على الامتثال الوهمي والشكي.

فما ذكره السيد الاستاذ(قده) لا يمكن المساعدة عليه.

هذا كله على القول بالحكومة في دليل الانسداد وأن تمامية مقدمات الانسداد نتيجتها الحكومة على التفسيرات الثلاث التي تقدم الكلام في عدم تمامية شيء منها.

واما على القول بالكشف: وان تمامية مقدمات الانسداد نتيجتها الكشف عن حجية الظن وان الشارع قد جعل الظن حجة بعد أن لا يمكن القول بحجية فتوى الفقيه او القرعة فلا محالة تمامية مقدمات الانسداد تكشف عن ان الظن حجة شرعا ولا بد من العمل به والافتاء على طبقه.

وقد ذكر السيد الاستاذ(قده)[1] أن القول بالكشف مبني على تقرير المقدمة الثالثة بصيغة خاصة: أي أن المقدمة الثالثة ان قررت بصيغة تكون نتيجتها الكشف وإن قررت بصيغة أخرى تكون نتيجتها الحكومة، ذلك ان المقدمة الثالثة وهي عدم وجوب الاحتياط التام إما لأعدم إمكانه لاستلزامه اختلال النظام وإما لعدم جوبه من جهة استلزامه العسر والحرج فإن قررناها بان الشارع لا يرضى بالامتثال الإجمالي في معظم الأحكام الفقهية من بداية الفقه إلى نهايته ولا يرضى في الاحتياط في معظم الأحكام الفقهية، فعندئذ تكون النتيجة هي الكشف لأن باب العلم والعلمي منسد على المكلف والشارع لا يرضى بالاحتياط في معظم الأحكام الفقهية ولا يرضى بالامتثال الإجمالي وأصالة البراءة العقلية لا تجري لاستلزامها المخالفة القطعية العملية ولا يسقط التكليف عن المكلف إذ ليس مثله مثل البهائم والمجانين، فهو إذاً مكلف بالواقع وحيث إن التكليف بغير المقدور غير ممكن ولا طريق لنا إلى هذه الأحكام إلا الظن فلا محالة تكشف هذه المقدمات عن جعل الشارع الظن حجة وطريقا إلى الواقع.

وأما إذا قررنا المقدمة الثالثة بأن الاحتياط التام لا يمكن لاستلزامه الخلل أو لا يجب لاستلزمه العسر والحرج فلا بد من التبعيض في الاحتياط ولا بد من حكم العقل بترجيح الامتثال الظني على الامتثال الشكي والوهمي لأن العكس لا يمكن. فالحاكم هو العقل دون الشارع.

والحاصل ان نتيجة مقدمات الانسداد تختلف باختلاف تقرير هذه المقدمة.

ولكن الصحيح في المقام ان يقال: إن تقرير هذه المقدمة بأن الشارع لا يرضى بالامتثال الإجمالي في معظم الأحكام الفقهية وبالاحتياط في معظم المسائل الشرعية غير صحيح؛ ودعوى الاجماع من الفقهاء على ذلك غير صحيحة. أما الاجماع فلا وجود له مضافا إلى أن المسألة مسألة مستحدثة بين المتأخرين فكيف يمكن دعوى الاجماع فيها والمدعي للإجماع غير موجود إلا أن يدعى الإجماع على اعتبار قصد الوجه والجزم بالنية في العبادات مضافا إلى قصد القربة.

ولكن يرد عليه:

أولاً: أنه لا دليل على اعتبار قصد الوجه في العبادات أصلا بل المشهور بين الأصحاب عدم اعتباره والمعتبر إنما هو قصد القربة، بل الدليل على عدم اعتباره موجود وهو انه لا شبهة في حسن الاحتياط بين جميع الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين بل هو أرقى مراتب العبودية لأنه أرقى مراتب الانقياد للمولى فلو كان قصد الوجه والجزم في النية معتبرا لم يمكن الاحتياط لأن لازم ذلك عدم مشروعية الاحتياط مع أنه لا شبهة في حسنه.

ودعوى ان سكوت الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين قولا وعملا عن مشروعية الاحتياط في معظم الأحكام الفقهية كاشف عن عدم اعتباره أما قولا فلعدم افتائهم بالاحتياط في معظم الأحكام الفقهية والمسائل الشرعية واما عملا فهم لا يعملون بالاحتياط هذه الدعوى مدفوعة بل لا ترجع إلى معنى محصل.

أولاً: أن سكوت الفقهاء عن الاحتياط في معظم الأحكام الفقهية لا يكشف عن عدم مشروعيته بل سكوت الإمام عن شيء لا يكشف عن عدم مشروعيته فضلا عن الفقهاء.

وثانياً: أن المسألة مستحدثة بين المتأخرين فكيف يصدق سكوت الفقهاء عليها مع ان المتقدمين لا توجد بينهم مثل هذه المسألة.

وثالثاً: أنه يمكن أن يبرر عدم صدور الفتوى منهم في الاحتياط في المعظم باعتبار انهم يرون انفتاح باب العلمي لا من جهة ان الاحتياط غير مشروع.

والنتيجة ان هذه الدعوى لا ترجع إلى معنى محصل.