38/03/12


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/03/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تتمة التنبيه الثالث ( ثمرة المسألة ) ، التنبيه الرابع - تنبيهات مسألة اجتماع الأمر والنهي.

وناقش السيد الخوئي(قده) الشيخ النائيني(قده) بمناقشتين:-

المناقشة الأولى [1] [2] :- إنك قلت إنَّ الصلاة غير مقدورة شرعاً لأنها ملازمة للغصب - ملازمة للحرام - ومعه تكون غير مقدورة شرعاً فلا يتعلّق بها الأمر ، ونحن نقول:- إنما الشيء يصير غير مقدور شرعاً إذا توجه إليه نهي شرعي أو توقف على مقدّمة محّرمة ، وحيث إنَّ هذين مفقودان في المقام فلا يوجد نهي عن الصلاة ، ولا الصلاة تتوقف على مقدّمة محرّمة فتكون الصلاة مقدورة شرعاً ، ومعه يمكن تعلّق الأمر بها.

ويرد عليه:- إنَّ الموجب لعدم القدرة لا ينحصر بالنهي وكون المقدمة محرّمة حتى تقول هذان مفقودان في المقام ، بل يوجد شيء ثالث وهو أن يكون العمل علّة لحرام وملازم لحرام بحيث إذا تحقق سيتحقق الحرام كما في موردنا ، فإنَّ من كان في المغصوب وصلّى فسوف تكون صلاته علّة لارتكاب الغصب الزائد مثلاً - لأنا فرضنا اجتماع أمر ونهي - فمفروضٌ أنه سبب وعلّة للغصب ، فالصلاة في المغصوب ملازمة وعلّة وتسبّب حصول الغصب ، فتسبّب تحقّق الحرام ، ومعه كيف تكون مقدورة ؟! ، ولو كانت الصلاة مقدورة كالقدرة على الغصب يلزم إمكان تعلّق التكليفين المختلفين بالمتلازمين ، يعني الغصب يصير حراماً والصلاة تصير واجبة لأنها مقدورة رغم التلازم بينهما والحال أنه في باب الأمرين المتلازمين لا يلزم اتفاقهما في الحكم ولكن لا يجوز اختلافهما في الحكم ، فمثلاً التوجّه إلى جهة الجنوب الذي هو جهة القبلة يلازم استدبار جهة عكس القبلة لكن هل يلزم أن يكون هذا الاستدبار محكوماً بالوجوب أيضاً بحيث يكون عندنا وجوبان وجوب استقبال القبلة ووجوب استدبار عكس القبلة فإذا لم يصلِّ الشخص إلى القبلة يلزم أن يعاقب بعقابين عقاب على أنه لم يستقبل وعقاب على أنه لم يستدبر عكس القبلة ؟! ولا يوجد هكذا وجوبان بل المتلازمان لا يلزم أن يتفقا في الحكم ، نعم لا يجوز أن يختلفا في الحكم بحيث يصير التوجّه إلى القبلة واجب واستدبار عكس القبلة حرام ، فهنا أيضاً نقول مادام هناك تلازم بينهما - فالمفروض أنه يوجد تلازم - من كان موجوداً في المكان المغصوب صلاته تلازم الغصب فنحن فرضنا هذا ، أما إذا قلنا الصلاة لا تسبب غصباً زائداً كما ذكرنا إلا في السجود وإذا كان يومي للسجود فأصلاً لا يوجد غصب فذاك مطلب ثاني أما الآن فنحن نفترض أنه يوجد اجتماع أمر ونهي يعني الصلاة تسبب الغصب ، فإذا كانت تسبب الغصب وتلازمه فحينئذٍ كيف نقول الملازم حرام وهو الغصب والصلاة تبقى حينئذٍ مقدورة ، فإذا كانت مقدورة والغصب أيضاً مقدور فيمكن توجه حكمين مختلفين إلى هذين المتلازمين فالغصب حرام والصلاة واجبة ، وهل تلتزم بهذا ؟ إنه لا يمكن الالتزام بهذا لو فرض أنه كانت توجد قدرة ، فنحن نقول لا يمكن أن يثبت حكم بالوجوب للصلاة لأنها غير مقدورة بعدما كانت لازمة للحرام.

إذن الملازم للحرام الذي هو علّة للحرام سوف يكون غير مقدورٍ شرعاً ، نعم هو مقدور تكويناً لكنه غير مقدور شرعاً كما ذكر الشيخ النائيني (قده) ، فإذن لا يمكن أن نناقش الشيخ النائيني(قده) من هذه الناحية.

المناقشة الثانية:- قال:- إنك قلت إنَّ الصلاة لا يمكن تصحيحها بالملاك لأنَّ صدورها قبيح بالقبح الفاعلي ومعه لا يمكن قصد التقرّب بها ، ونحن نقول:- كلا ليست قبيحة بالقبح الفاعلي فيمكن التقرّب بها ، أما كيف لا يلزم أن تكون قبيحة بالقبح الفاعلي ؟ ذلك باعتبار أننا بنينا حسب الفرض على أنَّ وجود الصلاة غير وجود الغصب ، يعني يوجد وجودان في الخارج لا أنَّ الوجود واحد ، فإذا قبلنا بهذا نضمّ إلى ذلك مقدّمة من علم المعقول وهي أنَّ الوجود عين الايجاد فإذا تعدّد الوجود تعدد الايجاد والتغاير بين الوجود والايجاد تغاير بالاعتبار وإلا فهما واحد بالذات حقيقةً ، فمثلاً حينما أضرب ابني فهذا إيجادٌ للضربة أو وجود لها ؟ نقول:- هو شيء واحد ، فنفس الضربة إذا لاحظتها من حيث الصادر والفاعل والعلّة نعبّر حينئذٍ بالإيجاد ، وإذا لاحظتها من حيث القابل فهذا وجودٌ للضرب ، لا أنَّ هناك شيآن وجود وإيجاد بل الايجاد عين الوجود والتغاير بينهما بالاعتبار ، فلو لوحظ الشيء الصادر بلحاظ فاعله ومنتسباً إلى فاعلة عبّر بالإيجاد ، وإذا لوحظ بلحاظ قابله والمحل يعبّر بالوجود ، فحينئذٍ الوجود حقيقةً هو عين الايجاد والتغاير اعتباري ، فمتى ما سلّمنا تعدّد الوجود كما هو مفروض كلامنا - حيث إنَّ وجود الصلاة غير وجود الغصب فنحن بانون على هذه الفرضية - فالإيجاد إذن أيضاً هو متعدّد ، فهناك إيجادان لا إيجاد واحد ، ومادام الايجاد متعدّداً فماذا يصير الصدور قبيحاً بالقبح الفاعلي ؟! إنما يصير الصدور قبيحاً بالقبح الفاعلي إذا بنينا على أنَّ الايجاد كان واحداً - إيجاد الصلاة عين إيجاد الغصب فهنا صحيح يصير الصدور قبيحاً بالقبح الفاعلي - ، ولكن هذا الايجاد غير ذاك الايجاد ، فعلى هذا الاساس لا قبح في الصدور بالقبح الفاعلي[3] [4] ، وهذا مطلبٌ وافق السيد الشهيد(قده)[5] عليه وبنى عليه.

ولكن يمكن أن يقال:- نسلّم أن الايجاد متعدّد كالوجود ، ولكن بالتالي أحد الايجادين المفروض أنه ملازم وعلّة للإيجاد الثاني ، وبسبب هذه الملازمة حينئذٍ الايجاد الأوّل يصير قبيحاً لكونه سبباً وعلّة وملازماً للإيجاد الثاني ، من قبيل أنا أضرب ابني للتأديب ولكن أم الطفل سوف تتأذى وتموت ، فهذان أيجادان ولكن مادامت تعلم أنَّ هذه الضربة سوف تسبب موت الأم فحينئذٍ نستطيع ان نقول إنَّ هذا الايجاد قبيح ، بينما على رأي السيد الخوئي والسيد الشهيد هذا الايجاد غير ذاك الايجاد فهذا الايجاد لا يكون قبياً لأنه مغاير.

ولكن افترض أنه مغايراً ولكن مادام يوجد بينهما ملازمة وعلِّية فهذا الايجاد يكون صدوره قبيحاً ويمكن الالتزام بذلك ، فعلى هذا الأساس من هذه الناحية يمكن دفع الاشكال عن الشيخ النائيني(قده) ، وبالتالي اتضح أنَّ ما أفاده الشيخ النائيني(قده) من أنَّ الصلاة يمكن الحكم بطلانها لأنَّ صدورها قبيح فلا يمكن حصول قصد القربة شيء له وجاهة.

وإن كان يرد على الشيخ النائيني(قده) أمور جانبية:-

من قبيل ما ذكره:- من أنَّ الأمر يختص تعلقه بالحصة المقدورة ولا يتعلق بالجامع بين المقدور وغير المقدور خلافاً لما ذكره المحقق الكركي ، وهذا لا نوافقه عليه ولكن هذه قضية جانبية ، والصحيح أن نقول للشيخ النائيني:- صحيحٌ أنَّ الأمر مجعول بداعي المحرّكية والمحرّكية لا يمكن أن تكون إلا نحو المقدور وهذا صحيح ، ولكن كلامنا هو أنَّ المقدور ما هو ؟ هل هو هذا الفرد فقط أو الجامع هو المقدور مادام أحد فرديه مقدوراً ؟ ونحن نقول:- الصحيح هو أنَّ أحد فردي الجامع مادام مقدوراً فالجامع يكون مقدوراً ، فيمكن التحريك نحوه ، فأقول لشخصٍ أنت يجب عليك إما أن تكتب أو تطير إلى السماء وهذا لا بأس به ، فمن الجنبة العقلية يمكن أن يكون الأمر مجعولاً بداعي المحرّكية والتحريك نحو الجامع والجامع مقدور ، نعم قد يكون هناك استهجان عرفي من حيث التصريح بالطرفين ولكن هذه قضية عرفية لا قضية عقلية إذ العقل يقول لا بأس وأن تكلّف بالجامع مادام أحد طرفيه مقدوراً ، ولكن هذه مناقشة جانبية.

ومن قبيل:- أنه قال:- إن قيل نصحّح بالملاك ، فنقول:- إنَّ الملاك لا يمكن أن نصحّح به لأن الصدور قبيح ، فكان من المناسب للشيخ النائيني(قده) أن يقول:- إنَّ أصل الملاك هو من أين ؟ فالصلاة لا يمكن تصحيحها بالملاك لأمرين ، الأوّل:- أنه لا محرز للملاك ، والثاني:- إنَّ الصدور قبيح فلا يمكن قصد التقرّب ، لا أنه يقتصر على مسألة أنَّ قصد التقرّب لا يمكن.

هذا كلّه بالنسبة إلى التنبيه الثالث وهو في بحث الثمرة وقد اتضحت الثمرة.

التنبيه الرابع:- مرجّحات النهي على الأمر.

ذكرنا أنه بناءً على الامتناع يقع تعارض ولابدّ من تقديم أحد الدليلين إما الأمر وإما النهي ، والمعروف بني الأصحاب تقديم جانب النهي ، ولكن لماذا ؟

والجواب:- ذكرت عدّة وجوه في هذا المجال:-

الوجه الأوّل:- إنَّ النهي يدلّ على التكليف الشمولي بينما الأمر يدل على التكليف البدلي ، فلا تغصب يدلّ على الشمولية يعني لا تغصب هذا الغصب ولا تغصب ذاك الغصب وكلّ غصب لا تفعله وهذه شمولية ، والأمر يدل على البدلية فصلِّ لا يقول لك صلّ كلّ صلاة في هذا المكان وفي ذاك المكان وإنما يقول لك صلِّ إما هنا أو هناك أو هناك وهكذا ، فالمطلوب في النهي الشمولية والمطلوب في الأمر البدلية ، ومعه يصير النهي أقوى ظهوراً بعد دلالته على الشمولية من الأمر الدال على البدليّة.

الاشكال الذي يتوجّه على المشهور:- هو أنَّ هذا وجيه إذا كانت الشمولية مستفادة من الوضع والبدلية مستفادة من مقدّمات الحكمة فنقول ما ثبت بالوضع يصير أقوى ظهوراً من الذي استفيد من مقدّمات الحكمة ، أما إذا كان الاثنان مستفادين من مقدّمات الحكمة كما هو الواقع فإنَّ لا تغصب يدلّ على الشمولية من باب مقدّمات الحكمة ، لأنه حينما قال لك لا تغصب ولم يقيّد بفردٍ معيّن يعني معناه أنه لا تغصب هذا الغصب ولا ذاك ولا في الصلاة ولا في غيرها ، أما الأمر فقد قال لك صلِّ فهو يريد صلاةً واحدةً ولم يقل لك صلِّ في هذا المكان أو ذاك فمعناه أنك مخيّرٌ والمطلوب منك واحدٌ على نحو البدليّة ، فكلاهما إذن مستفاد من مقدّمات الحكمة ، فكيف صار الظهور في الشمولية أقوى من الظهور في البدليّة رغم أنَّ الاثنين مستفادان من مقدّمات الحكمة ؟


[2] محاضرات في الفقه الجعفري، الخوئي، ج4، ص221.
[4] محاضرات في الفقه الجعفري، الخوئي، ج4، ص223.
[5] دروس في علم الأصول، الشاهرودي، 3، ص73.