37/12/24


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/12/24

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــــــ السيرة

إلى هنا قد تبيّن أنه لا شبهة في أن سيرة العقلاء جارية على العمل بأخبار الثقة في الشبهات الحكيمة وكذلك في الشبهات الموضوعية.

وأما في الموضوعات الخارجية فيختلف الحال فيها. فإن كان المطلوب الوصول إلى المصالح الواقعية والاجتناب عن المفاسد فلا يكون خبر الثقة بما هو خبر ثقة حجة والعمل فيها إنما هو بالعلم الوجداني أو بالاطمئنان وهذا يختلف باختلاف الموضوعات.

وينبغي لنا التنبيه على مجموعة من المقدمات:

المقدمة الأولى: أن سيرة المتشرعة تفترق عن سيرة العقلاء؛ فإن السيرة العقلائية تبتني على أحد ملاكين:

الملاك الأول: أن ما بنى عليه العقلاء وما جرت عليه سيرتهم لا بد أن يكون أمرا مرتكزا في الأذهان وثابتا في أعماق النفوس وموافقا للجبلّة والفطرة.

الملاك الثاني: المصلحة العامة التي لها دخل في حفظ النظام الموجود بين الموالي والعبيد؛ فإن تلك المصالح ملاك لجريان سيرة العقلاء وبناءهم.

وأما سيرة المتشرعة فهي مستندة إلى الشرع فقط ومعلولة له وليس لها ملاك آخر.

المقدمة الثانية: أن سيرة المتشرعة إذا كانت مستحدثة كالسيرة بين الفقهاء من المتأخرين والمتقدمين فليس بإمكاننا إحراز وجود هذه السيرة في زمن المعصومين(ع) وانها وصلت إلينا بطرق قطعية يدا بيد وطبقة بعد طبقة، وإثباتها بحاجة إلى علم الغيب ومن هنا لا تكون هذه السيرة حجة. وأما سيرة العقلاء إذا كانت مستحدثة وحدثت بعد عصر التشريع كبناء العقلاء على حق التأليف والطبع والنشر؛ فإنه بناء مستحدث من العقلاء على حق التأليف والطبع والنشر بعد عصر التشريع فإن في عصر التشريع لم يكن هناك تأليف وهو يعني انتفاء الموضوع، والنقطة المهمة هي في أنه هل بإمكاننا إثبات إمضاء الشارع لهذا البناء أو لا يمكن ذلك؟

ومن الواضح أنه ليس لنا طريق إلى إثبات إمضاء الشارع لهذا البناء وإقراره؛ إذ لا نعلم أن هذا الحق لو كان موجودا في عهد التشريع لكان ممضىً من قبل الشارع، فإثبات حجية هذه السيرة من العقلاء غير ممكن.

ومن أجل ذلك قلنا: إن حق الطبع غير ثابت في الشريعة المقدسة وكذلك حق النشر فيجوز لكل من يملك كتابا ان يتصرف فيه بما يشاء من البيع والهدية والطبع والنشر.

فحق الطبع ليس ثابتا وليس للمؤلف حق المنع عن ذلك وإن كان المعروف بين الفقهاء أن هذا الحق ثابت ببناء العقلاء ولكن حيث أنه مستحدث فلا يمكن إثبات إمضاء هذا البناء إذ لا طريق لنا إلى ذلك.

نعم لو كان هذا الحق من الحقوق المرتكزة في الأذهان الثابتة في أعماق النفوس والموافقة للجبلة والفطرة فيمكن إثبات إمضائه واعتراف الشارع بهذا الحق بنحو القضية الشرطية أي أن هذا الحق لو كان ثابتا في عهد التشريع لأمضاه الشارع.

ويستفاد هذا الإمضاء من عدم ردع الشارع عن العمل بهذا الحق، إذ لو كان بناء العقلاء على هذا الحق منافياً لأغراض التشريع وخطرا عليها وفيه مفاسد فبطبيعة الحال يقوم الشارع بالردع عنه بنحو القضية الشرطية، فيستكشف من عدم ردعه عنه ولو بنحو القضية الشرطية عن إمضائه له وإن كان هذا البناء متأخر.

ومثل هذا الأمر الارتكازي لا يختص بزمن دون زمن وبمكان دون مكان وبطائفة دون طائفة أخرى، فلا يقاس ذلك بالتقاليد والعادات بين الطوائف؛ فإن تقاليد كل طائفة غير تقاليد طائفة أخرى، وهي تختلف باختلاف الأزمن والأمكنة وباختلاف الطوائف، ومنشأ هذه التقاليد خصوصيات الزمان والكان والطوائف وعوامل البيئة،

وليس كذلك الأمر الارتكازي الثابت في أعماق نفوس الناس فإنه لا يختلف باختلاف الناس والطوائف والأزمنة والأمكنة، فحجية خبر الثقة مثلاً أمر مرتكز في الأذهان في كل زمان ومكان، فكما أنه مرتكز في أذهان الناس قبل عهد التشريع فكذلك هو مرتكز في أذهانهم بعد عهد التشريع.

وأما حق الطبع والنشر فليس كذلك، فإن بناء العقلاء على هذا الحق ناشئ من المصلحة الشخصية المالية للمؤلف وليس ناشئا من العوامل الارتكازية الثابتة في أعماق نفوس الناس.

فمن أجل ذلك لا يمكن إثبات إمضاء هذا البناء. لأنه لو فرضنا وجود هذا البناء في عهد التشريع لم يمكن لنا إثبات إمضاء الشارع له، فإن هذا الحق متمثل في التأليف فقط وهو أمر معنوي لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وغير قابل للنقل والانتقال، وكذلك حق الطبع والنشر، لأن هذه الحقوق ثابتة لكل من يملك الكتاب، والإسلام إنما يعترف بملكية ما هو نتاج عمل الإنسان وتعبه، كما إذا قام شخص بإحياء أرض، فإن حياة هذه الأرض نتيجة عمله وتعبه سواء كانت هذه الحياة متمثلة في البناء أو في الزراعة أو في التشجير وهو انما يملك الحياة فقط لأنها نتيجة عمله وتعبه وجهده وأما رقبة الأرض فلا يملكها، بل هي ملك للإمام(ع) وإنما يملك ما هو نتيجة عمله وهو حق الحياة في هذه الأرض، وكذلك من حاز الثروات الطبيعية، فهو يملك ما هو نتيجة عمله وهو ما حازه من الثروات الطبيعية، باعتبار أنه نتيجة عمله وتعبه ولا يعترف الإسلام بملكية من استولى على الأراضي الواسعة أو الثروات الطبيعية الواسعة بالقوة، وإنما يعترف بملكية ما هو نتيجة عمله وجهده، ومن الواضح أن نتيجة بذل جهد المؤلف وتعبه وهو التأليف فقط وهو أمر معنوي غير قابل للنقل والانتقال. وأما حق الطبع والنشر فهو ليس نتيجة جهده وعمله وتعبه فمن أجل ذلك لا يكون مالكا لحق الطبع والنشر والتأليف وليس له حق المنع عن طبع كتابه من شخص آخر إذا كان مالكا للكتاب فله أن يطبعه وينشره.

إلى هنا قد تبين أن مثل حق النشر والطبع والتأليف التي عليها بناء العقلاء في الزمن المتأخر ليس بإمكاننا إحراز أن هذا البناء ممضىً شرعاً.

فالنتيجة أن حق الطبع والنشر والتأليف غير ثابت شرعاً