37/12/04


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/12/04

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: ادلة حجية خبر الواحد – السنة

كان كلامنا في الأخبار العلاجية من جهة أنه قد يناقش فيها أنها كما يحتمل أن تكون في مقام ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر بموافقة الكتاب أو السنة أو بمخالفة العامة يحتمل أن تكون في مقام تمييز الخبر الصادق عن الخبر الكاذب أو تمييز الحجة عن اللاحجة مع أن الخبرين قطعيين صدورا فإن التعارض بين القطعيين صدورا غير معقول ولكنه اشتبه على المكلف أيهما صادر عن الإمام(ع) وأيهما غير صادر وهذه الروايات في مقام تمييز الصادق عن الكاذب.

فهذه الروايات مجملة باعتبار أنه لا ترجيح للاحتمال الاول على الثاني.

والجواب عن ذلك واضح: وهو أن الأخبار العلاجية على طائفتين:

الطائفة الأولى: وتسمى بأخبار الطرح ولسان هذه الطائفة لسان عدم صدور الخبر المخالف للكتاب والسنة[1] ، وقد ورد فيها أن ما خالف الكتاب والسنة فهو زخرف وباطل ولم أقله، وهي تدل على الاستنكار والتحاشي عن صدور الخبر المخالف للكتاب والسنة؛ ولهذا صرح فيها بأن ما خالف الكتاب والسنة زخرف وباطل ولم يقله، فهذه الطائفة في مقام التمييز للصادق عن الكاذب ولكنها ليست من الأخبار المرجحة ومن الأخبار العلاجية.

الطائفة الثانية: الأخبار العلاجية[2] وهي تعالج مشكلة التعارض بين الخبرين المتعارضين وهذه الأخبار ظاهرة في أن كلا من الخبرين المتعارضين حجة في نفسه ولكن من جهة المعارضة لا يمكن شمول دليل الحجية لكليهما معا ولهذا لا بد من علاج المعارضة بالرجوع الى المرجحات فإن كان أحدهما موافقا للكتاب، والمراد من الموافقة للكتاب الموافق لإطلاق الكتاب أو عمومه، والآخر مخالفا لإطلاق الكتاب وعمومه فلا بد من تقديم الأول على الثاني وان الأول حجة دون الثاني، فالثاني لا يكون حجة ولهذا لا بد أن يكون المراد من المخالف في الأخبار العلاجية المخالف لعموم الكتاب والسنة أو لإطلاق الكتاب والسنة؛ فإن خبر الواحد إذا كان مخالفا لإطلاق الكتاب والسنة أو عمومهما فهو حجة ويخصص عمومهما او يقيد إطلاقهما ولكن إذا كان الخبر مخالفا لعموم الكتاب فهو مردود وزخرف وباطل ولم يصدر منهم(ع).

فالروايات العلاجية وهي أخبار الترجيح تدل على الترجيح بالمطابقة وعلى حجية خبر الواحد بالالتزام ولكن من جهة أن هذه الروايات ليست من الكثرة بدرجة تبلغ حد التواتر فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد لأنه من قبيل الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهو مستحيل.

المجموعة الثانية: وهي الروايات الواردة في الأفراد الخاصة من الرواة وبأوصاف خاصة وبألسنة مختلفة وبصيغ متعددة:

فمنها: ما جاء بصيغة لولا هؤلاء ( زرارة ومحمد بن مسلم والحلبي وبريد بن معاوية وغيرهم) لاندرست آثار النبوة[3] .

ومنها: ما جاء بصيغة مثالية وهي ان هؤلاء أمناء الله على حلاله وحرماه مشيرا إلى طائفة خاصة من الرواة[4] .

ومنها: ما جاء بصيغة أن هؤلاء حفظة الدين مشيرا الى فئة مخصوصة[5] .

ومنها: ما ورد إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس[6] (وهو زرارة او محمد بن مسلم).

ومنها: ما جاء بصيغة ما يمنعك من الرجوع إلى ومحمد بن مسلم فإنه قد سمع من أبي أحاديث وكان عنده وجيها[7] .

ومنها: ما ورد بصيغة ممن آخذ معالم ديني من زكريا بن آدم القمي فإنه مأمون على الدين والدنيا[8] .

وهكذا غيرها مما قد ورد بألسنة مختلفة ومتعددة وبصيغ خاصة.

وتقريب الاستدلال بها أنه لا شبهة في أن أشخاص هؤلاء لا خصوصية لها ولا موضوعية فاحتمال أن لشخص زرارة أو شخص محمد بن مسلم دخل في حجية أخبارهم غير محتمل وإنما الحجية لأخبارهم من جهة الأوصاف الطارئة عليهم من الأمانة على حلال الله وحرامه ووصف حفظة الدين ووصف أنه لولاهم لاندرست آثار النبوة، فهذ التعبيرات واضحة الدلالة على أن ملاك حجية اخبارهم هي هذه الأوصاف.

ولكن يمكن المناقشة في ذلك: من جهة أن حجية أخبار هؤلاء وإن كانت من جهة توفر هذه الأوصاف فيهم واقعا ولكن هذه الطائفة في مقام بيان أرقى مرتبة من مراتب الوثاقة وهي الوثاقة الواقعية التي ثبت بنص الإمام(ع) وتصريحه، وحينئذ يمكن البناء على حجية أخبارهم من هذ الجهة. ولكن التعدي من مورد هذه الروايات وهو حجية روايات خصوص هؤلاء إلى حجية خبر كل ثقة ولو ثبتت حجيته ظاهرا بتوثيق الشيخ أو الكليني أو النجاشي او الصدوق بحاجة إلى قرينة لأن هذا التعدي ليس مطابقا للأصل بل هو مخالف للأصل، وحينئذ يكون بحاجة إلى قرينة ولا قرينة في هذه الروايات لا في نفسها ولا من الخارج.

ومن هنا لا يمكن الاستدلال بهذه المجموعة على حجية أخبار الآحاد مطلقا أو على حجية أخبار الثقة مطلقا وإن كانت وثاقته ثابتة ظاهرا لا واقعا.

ثم أن هذه المجموعة لا يبعد أن تكون متواترة معنويا وإن لم تكن متواترة لفظا وهذا المعنى معنى الأمانة على حلال الله وحرامه صادر من الإمام(ع) ولكن بهذه الصيغة أو بصيغة أخرى فهو مشكوك ولا نعلم به.

والنتيجة: أنه لا يمكن الاستدلال بهذه المجموعة على حجية خبر الواحد مطلقا؛ لأنها لا تدل إلا على حجية قسم خاص من خبر الواحد لا على حجية خبر الواحد مطلقا كما هو محل الكلام في المسألة ومحل النزاع.

المجموعة الثالثة من الروايات: وهذه المجموعة تارة وردت بلسان أعرفوا منازل الرجال[9] بقدر أحاديثهم عنّا، وأخرى بلسان يا جميل أرو هذا الحديث لإخوانك[10] . فهل يمكن الاستدلال بهذه الطائفتين من هذه المجموعة او لا يمكن؟

اما الطائفة الأولى: فلا يمكن الاستدلال بها لأنها لم تبلغ من الكثرة حد التواتر وحينئذ تكون من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهو لا يمكن. وكذلك الطائفة الثانية فهي خبر واحد ولا تبلغ من الكثرة حد التواتر وليست قطعية الصدور فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد هذا مضافا إلى إمكان المناقشة في دلالتها فإن ترغيب الإمام على كثرة الروايات وانه موجب لنمو منزلة الرواة عند الناس لعله من جهة الرغبة في انتشار الروايات بين الناس حتى يعرفوا الروايات الصادرة من الأئمة الأطهار(ع) من غيرها والغرض من وراء ذلك هو حصول العلم او الاطمئنان بصدور هذه الروايات لا حجية خبر الواحد مطلقا.

واما الطائفة الثانية وهي قوله(ع) يا جميل أور الحديث لإخوانك فإنه وإن دل على وثاقة جميل واقعا فيكون هذا من أرقى درجة الوثاقة ولكن لا يمكن التعدي من مورد هذه الطائفة إلى سائر الموارد لأنها تدل على حجية أخبار الأحاد فيما إذا كان الراوي واجدا لأرقى مراتب الوثاقة وهي الوثاقة الواقعية ولا يمكن التعدي منها إلى غيرها.

والنتيجة: أن هذه المجموعة ايضا لا يمكن الاستدلال بها والعمدة في ذلك أنها لم تبلغ حد التواتر.