35/08/09


تحمیل
الموضوع : التجري
كان الكلام فيما ذكره المحقق النائيني (قده) من ان حرمة التجري متأخرة بمرتبتين عن الحرمة الواقعية وبالتالي لا يمكن الجمع بينهما في دليل واحد، وما ذكره (قده) مبني على الخلط بين مرحلة الجعل ومرحلة فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج .
اما في مرحلة الجعل فلا مانع من الجمع بين المتقدم والمتأخر حتى زمانا في جعل واحد فأن الجعل امر آني ولا يتصور فيه التقدم والتأخر فهو امر اعتباري وآني في آن الجعل والاعتبار أي الشارع جعل الحكم بتمام حصصه الطولية الى يوم القيامة .
فإذن الطولية انما هي في الاحكام الفعلية التي فعليتها بفعلية موضوعاتها في الخارج لان جعل الاحكام الشرعية انما هي بنحو القضية الحقيقية للموضوعات المقدرة وجودها في الخارج، فمتى تحقق الموضوع فالحكم فعليا مثلا وجوب الحج مجعول للمستطيع المقدر وجوده في الخارج فمتى تحققت الاستطاعة تحقق وجوب الحج ايضا ومعنى تحقق وجوب الحج تحقق فاعليته ومحركيته والا فالوجوب امر اعتباري يستحيل وجوده في الخارج، فالمراد من فعلية الحكم فعلية فاعليته لا فعلية نفسه لان الوجوب امر اعتباري لا يعقل ان يوجد في الخارج، فالمكلف اذا صار مستطيعا فوجوب الحج في حقه صار فعليا يعني انه محرك ويكون داعيا له ومادام لم يكن مستطيعا فلا اثر له، وكوجوب الصلاة فانه اذا دخل الوقت فهو محرك للمكلف وفاعل وداعي واما قبل ان يدخل الوقت فلا اثر .
فإذن فعلية الحكم انما هي بفعلية موضوعه في الخارج، وفعلية موضوعه في الخارج بنحو التدريج وبنحو الطولية فلا مانع من ان يكون بعض الاحكام في مرحلة الفعلية مأخوذا في موضوع حكم اخر ولا يلزم منه أي محذور .
فإذن لا مانع من الجمع بين حرمة التجري والحرمة الواقعية في جعل واحد واعتبار واحد فانه لا تقدم و لا تأخر في مرحلة الاعتبار .
واما الفرض الثاني، الذي ذكره (قده) من ان حرمة التجري ان كانت بخطاب اخر وكان الخطاب الاخر مختصا بالمتجري، فهو لا يمكن وصوله الى المتجري وتنجزه عليه اذ ان وصوله اليه مشروط بكونه ملتفتا الى انه متجري وطالما لم يكن ملتفتا فلا يكون واصلا اليه لان المكلف طالما لم يكن ملتفتا الى موضوع الحكم لم يكن الحكم واصلا اليه ومنجزا عليه والمفروض في المقام انه غير ملتفت الى انه متجر لأنه قاطع بان قطعه مطابق للواقع وليس بمتجر واما اذا التفت الى انه متجر انقلب الموضوع ومن اجل ذلك لا يمكن جعل الحرمة للمتجري .
والجواب عن ذلك ما تقدم، من ان هذا انما يتم في موارد القطع فقط والتجري لا يختص بموارد القطع فهو كما يشمل موارد القطع يشمل موارد الامارات المعتبرة والاصول العملية اذ في موارد الامارات احتمال الخلاف موجود ومع احتمال الخلاف لا مانع من جعل الحكم، مثلا اذا قامت الامارة على حرمة شرب التتن فاحتمال ان هذه الامارة غير مطابقة للواقع موجود، ففي مثل ذلك اذا قلنا بحرمة التجري فلا مانع من الالتزام بذلك لان المكلف يعلم اجمالا بان شرب التتن حرام اما بحرمة واقعية او من جهة حرمة التجري، فالعلم الوجداني بان شرب التتن حرام اما بحرمة واقعية او بحرمة التجري، وكذلك الحال اذا استصحب حرمة شيء او استصحب خمرية مائع فهو متيقن بان شربها حرام اما من جهة الحرمة الواقعية او من جهة احرمة التجري .
فإذن حرمة التجري في موارد الاصول العملية وكذلك في موارد الامارت لا مانع منه، فما ذكره المحقق النائيني (قده) من انه لا يمكن جعل الحرمة للتجري لعدم امكان وصول هذا الحكم وتنجزه تام في موارد القطع فقط واما في موارد الامارت المعتبرة وموارد الاصول العملية فلا مانع منه .
واما الفرض الثالث، وهو جعل الحرمة للجامع بين التجري والمعصية وهو هتك حرمة المولى اذ هو جامع بين المتجري والعاصي، فهو امر ممكن فان النسبة بين مقطوع الخمرية وبين الخمر الواقعي عموم من وجه، فقد يكون الخمر الواقعي موجودة ولا قطع بها وقد يكون القطع بالخمر موجود ولا خمر في الواقع وقد يكون كلاهما موجودا وهو القدر المشترك بينهما ومورد الالتقاء، ففي مثل ذلك لا مانع من جعل الحكم للجامع الا انه بنظر القاطع النسبة بينهما عموم مطلق، فان القاطع لا يحتمل ان قطعه غير مطابق للواقع بل هو قاطع بان قطعه مطابق للواقع، فالنسبة بنظره عموم وخصوص مطلق .
وعلى هذا يلزم اجتماع المثلين وهو الحرمة الواقعية وحرمة التجري، فان كلتا الحرمتين قد اجتماعتا في شيء واحد وهو مستحيل لأنه اجتماع للمثلين بنظر القاطع .
هكذا ذكره (قده) .
هذا مضافا الى لزوم التسلسل كما ذكره السيد الاستاذ (قده) .
اما الجواب عن التسلسل فقد تقدم .
واما الجواب عن اجتماع المثلين، فقد ذكرنا غير مرة ان اجتماع المثلين انما يكون محالا في الامور الواقعية أي يستحيل تحقق موجودان متماثلان في شيء واحد في الامور الخارجية، واما اجتماع المثلين في الامور الاعتبارية لا مانع منه اذ الامور الاعتبارية ليست في الخارج وانما هي موجودة في عالم الاعتبار وفي عالم الذهن فقط فلا يتصور فيها المثلية والضدية والسببية والعلية والمعلولية كل ذلك لا يتصور في الامور الاعتبارية، وانما تتصور في الامور الواقعية الخارجية .
فإذن لا مانع من اجتماع الوجوبين بما هما اعتباران في شيء واحد ولا مانع من اجتماع الحرمتين بما هما امران اعتباريان في شيء واحد ولا يلزم أي محذور من ذلك .
هذا في مرحلة الجعل .
واما في مرحلة المبادي، فان الوجوب يكشف عن وجود مصلحة في متعلقه والحرمة تكشف عن وجود مفسدة ملزمة في متعلقها ومن الواضح ان المصلحة والمفسدة امران تكوينيان .
فإذن من اجتماع الوجوبين في شيء واحد يلزم اجتماع المصلحتين في مرحلة المبادي وهو من اجتماع المثلين وهو مستحيل فكما ان اجتماع الضدين مستحيل كذلك اجتماع المثلين، فاذا اجتمع الوجوبان في شيء واحد فهما يكشفان عن وجود مصلحتين في مرحلة المبادي فيلزم اجتماع المثلين في هذه المرحلة وهو مستحيل لان المصلحة امر تكويني واقعي وليست امرا اعتباريا او اذا اجتمع الحرمة مع الوجوب في شيء واحد يكشفا عن وجود مفسدة ومصلحة في مرحلة المبادي فيلزم اجتماع الضدين في هذه المرحلة
فمن اجل ذلك لا يجوز اجتماع الوجوبين فانهما يكشفان عن اجتماع مصلحتين في مرحلة المبادي وهو مستحيل، وكذلك لا يجوز اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد فانهما يكشفان عن وجود مصلحة ومفسدة في مرحلة المبادي وهو مستحيل لأنه من اجتماع الضدين .
والجواب عن ذلك : انه صحيح ان اجتماع الوجوبين في شيء واحد يكشف عن وجود مصلحتين في مرحلة المبادي الا انه اذا اجتمعت المصلحتان في شيء واحد في مرحلة المبادي اندكت احداهما في الاخرى فتصبحان مصلحة اقوى واكد من كل واحدة منهما في نفسها فلا يمكن بقاء كل مصلحة بحدها الخاص كالبياضين، فان البياض اذا اجتمع مع بياض اخر يندك احدهما في الاخر ولا يمكن بقاء كل منهما بحده الخاص، والمصلحتان ايضا كذلك اذا اجتمعتا في شيء واحد تندك احداهما في الاخرى فتصبحان مصلحة واحدة اقوى واكد من كل واحدة منهما في نفسها .
فإذن لا يلزم محذور اجتماع المثلين .
فالنتيجة انه لا يلزم محذور اجتماع المثلين لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة المبادي.
وعلى هذا، فلا مانع من اجتماع الوجوبين على شيء واحد في مرحلة الجعل واجتماع المصلحتين في شيء واحد في مرحلة المبادي، ولا يلزم محذور اجتماع المثلين .
هذا من ناحية .
ومن ناحية اخرى، ان هذا الاشكال مبني على ان موضوع حرمة التجري الخمر المقطوع الخمرية أي موضوع حرمة التجري شرب الخمر المقطوع .
واما اذا كان موضوع حرمة التجري شرب الخمر المنجز سواء أ كان تنجيزها بالقطع الوجداني ام كان تنجيزها بالأمارة ام بالأصل العملي فلا يلزم هذا المحذور أي محذور اجتماع المثلين .