36/05/05


تحمیل
الموضـوع:- مسألة ( 3 ) - المكاسب المحرمة -كتاب التجارة.
وأمّا بالنسبة إلى النقطة الثانية - أعني جواز المعاوضة على الحقّ أو بالأحرى على إزالة الحق -:- فقد تعرّض الشيخ الأعظم(قده) إلى ذلك في مكاسبه[1] بما محصّله:- أنّ المعاوضة بنحو الصلح على الحقّ المذكور يمكن أن يقال بجوازها وعلّل ذلك بأنّ المستفاد من الروايات هو سحتيّة الثمن - يعني المقابل لنفس العين - فما يجعل مقابلاً للعين هو سحتٌ فإنّ الروايات قالت ( ثمن الكلب سحت )[2] و ( ثمن الميتة سحت ) [3] أمّا ما يُجعل مقابل الحقّ فلم تدلّ على سحتيّته فيمكن أن يقال بجوازه بنحو الصلح.
ولعلّ النكتة في أنّه جعله صلحاً لا بيعاً:- هو باعتبار أنّ الوارد في الروايات هو الثمن والثمن يصدق في مورد البيع فحينما قال اجعله صلحاً حتى لا يصدق عنوان البيع، فأنت لا تجعله بيعاً بل اجعله صلحاً حتى لا يصدق عنوان الثمن مقابل العين وإنما هو عوضٌ مقابل الحقّ.
ثم استشكل وقال:- لكن الانصاف إنّ الحكم مشكلٌ . ولكنّه لم يبين وجه الإشكال.
ولعلّ وجه الإشكال:- هو أنّ الروايات وإن ورد فيها عنوان ثمن الميتة فعبّر بالثمن وجعل مقابلاً للميتة وقيل هذا سحتٌ ولكن العرف يلغي الخصوصيّة من هذه الناحية ويتوسّع ويفهم أنّ كلّ شيءٍ يرتبط بهذه العين ولو بنحو الحقيّة لا بنحو الثمن هو لا يجوز.
ثم قال:- نعم هناك طريقة أخرى وهي أنّ يبذل مالاً ليس في مقابل العين وليس في مقابل الحقّ وإنما هو مقابل التنازل عن حقّ الاختصاص فيصير الشيء آنذاك من المباحات العامّة فيأتي الباذل ويأخذه باعتبار أنّه صار من المباحات العامّة، ونص عبارته:- ( نعم لو بذل مالا ًعلى أن يرفع يده عنها ليحوزها الباذل كان حسناً كما يبذل الرجل المال على أن يرفع اليد عمّا في تصرفه من الأمكنة المشتركة كمكانه من المسجد والمدرسة والسوق )[4].
والسيد الماتن(قده) في النقطة الثانية من هذه المسألة يريد أن يشير إلى هذا المطلب، فهو يريد أن يقول لا بأس بأن تبذل مالاً في مقابل اسقاط الحقّ ثم بعد ذلك يأخذ الباذل العين - من الأعيان الأربعة -، فإذن لا يوجد مطلبٌ جديد سوى ما كان موجوداً في المكاسب.
ولكن أريد بيان مطلبٍ يرتبط بعبارة المتن:- وهو أنّ العبارة قد وقع فيها تطويل مشوب بالتشويش فلاحظها حيث قال:- ( وتجوز المعاوضة على الحقّ المذكور فيبذل له مال في مقابله ويحلّ ذلك المال له )[5] فإلى الآن يفهم أنّ البذل مقابل نفس الحقّ، ثم قال بعد ذلك:- ( بمعنى أنّه يبذل لمن في يده العين النجسة مالاً ليرفع يده عنها ويوكل أمرها إلى الباذل ).
ونحن نقترح أن تصاغ العبارة بشكلٍ آخر وذلك بأن نقول:- ( وتجوز المعاوضة على أسقاط الحق المذكور - وليس على نفس الحق - بمعنى أنّه يبذل لمن في يده .... ).

مسألة ( 3 ):- الظاهر أنّ الميتة الطاهرة كميتة السمك والجراد لا يجوز بيعها والمعاوضة عليها وإن كانت لها منفعة محلّلة معتدّ بها عند العرف بحيث يصحّ عندهم بذل المال بإزائها نعم يجوز بذل المال بإزاء رفع اليد عنها كالأعيان النجسة.[6]
..........................................................................................................
مضمون المسألة واضحٌ وهو أنّ المعاوضة على الميتة الطاهرة كالسمك الميّت لا تجوز وإن كان له منافع محلّلة، نعم الطريقة التي ذكرناها في المسألة السابقة تأتي هنا وهي أنّ يبذل مالاً مقابل اسقاط الحقّ فهذه ليست منهيّاً عنها بالنصّ حتى بعد ضمّ الفهم العرفي.
وإذا رجعنا إلى كلمات الفقهاء وجدنا الأمر بالعكس فهم يجوّزون بيع الميتة الطاهرة كالسمك والجراد.
وذكر الشيخ الأعظم(قده) في المكاسب أنّ أدلة عدم الجواز مختصّة بالميتة النجسة والمسألة لا خلاف فيها ونصّ عبارته :- ( الثاني:- أن الميتة من غير ذي النفس السائلة تجوز المعاوضة عليها إذا كانت مما ينتفع بها أو ببعض أجزائها كدهن السمك الميت للإسراج والتدهين لوجود المقتضي وعدم المانع لأنّ أدلّة عدم الانتفاع بالميتة مختصّة بالنجسة وصرّح بما ذكرناه جماعة والظاهر أنه لا خلاف فيه )[7].
وهو غريبٌ:- ووجه الغرابة هو أنّه لم يذكر وجه اختصاص الأدلّة بالميتة النجسة والحال عندنا رواية السكوني حيث تقول:- ( السحت ثمن الميتة وثمن الكلب )[8] فهي قالت ( ثمن الميتة ) وهذا إطلاق فلماذا لم تتمسّك به ؟ ولا أقل المناسب التعرّض إلى أنه توجد رواية مطلقة ولابد من تقييدها لا أن تترك ذلك وتكتفي بما ذكرت ؟!!
ولكنّي أظن - والله العالم - أنّه تأثر بشيئين جعله يسير سريعاً في هذه المسألة ويحكم بالاختصاص بالميتة النجسة:-
أحدهما:- الروايات العامّة الواردة في تحف العقول وغيرها فإنها تجعل المدار على النجاسة.
والحال نحن نقول له:- إنّ هذه مخصّصة لأنّ هذه فيها إطلاق فلابد من علاج القضيّة.
ثانيهما:- عدم الخلاف، فالشيخ الأعظم(قده) يعطي قيمةً لكلمات الفقهاء فهذا قد أثّر عليه وبالتالي سار سيراً سريعاً وحكم بالاختصاص بالأعيان النجسة.
بل حتى صاحب الجواهر(قده) جعل المسألة مفروغاً عنها[9] ولم يستدل بشيءٍ على الاختصاص بالميتة النجسة سوى المفروغيّة.
وجاء السيد الخوئي(قده) في تقريريه[10] [11]وسار على ما سارا عليه تقريباً وذكر أنّ المنع يختصّ بالميتة النجسة وقال لأنّ الروايات المانعة هي إمّا في إليات الغنم وموردها يكون ما له نفس سائلة لأنّ الغنم نفسٌّ سائلة، أو المستند لعدم الجواز هو روايات الشاة الميتة والشاة ذات نفسٍ سائلةٍ وبالتالي يختص الحكم بالميتة النجسة ونسى أو تناسى وجود موثّقة السكوني الدالة بإطلاقها على أنّ ثمن الميتة سحتٌ وليس المستند مختصّ بإليات الغنم وغيرها بل توجد عندنا روايات متعدّدة بهذا المضمون - أي بعنوان ثمن الميتة سحت -.
ولكنه عدل في منهاج الصالحين إلى أنّه لا تجوز المعاوضة على الميتة الطاهرة أيضاً.
والنتيجة التي ننتهي إليها:- هي أنّ الميتة الطاهرة لا يجوز التعامل عليها إمّا بنحو الجزم بالفتوى أو بنحو الاحتياط الوجوبي لإطلاق ما دلّ على أنّ ثمن الميتة سحت.


[10] موسوعة السيد الخوئي (مصباح الفقاهة )، تسلسل35، ص119، 120.
[11] المحضرات، الخوئي، ج1، ص69.