39/05/23

تحميل ملف (MP3) حجم (3.11MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

39/05/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حرمة الاحتكار ، مسألة ( 46 ) - المكاسب المحرّمة.

الرواية السابعة:- ما جاء في الخصال:- ( ولئن يلقى الله العبد سارقاً أحب إلى الله [ أحب إليه ] [ أحب إليَّ ][1] من ان يلقاه وقد احتكر طعاماً )[2] .

ونذكر قضية جانبية:- وهي أنَّ هذا الحديث طويل لكن الذي نقلناه هو مورد الشاهد فقط ، والحديث هكذا:- ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله قد علمت ابني هذا الكتابة [ هذا الكتاب ][3] ففي أي شيء اسلّمه ؟ فقال: أسلمه لله أبوك[4] ولا تسمله في خمس لا تسلمه سبّاءً ولا صائغاً ولا قصّاباً ولا حنّاطاً ونخّاساً ، فقال: يا رسول الله ما السبّاء ؟ قال: الذي يبيع الكفان ويتمنى موت أمتي ، ولا المولود من أمتي أحبّ مما طلعت عليه الشمس ، وأما الصائغ فإنه يعالج رين أمتي [ زَيْنَ أمتي [ زِيَنَ[5] أمتي ] ، وأما القصّاب فإنه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه وأما الحنّاط[6] ....... ولئن يلقى الله العبد سارقاً أحبّ إلى الله من أن يلقاه وقد احتكر طعاماً وأما النسّاخ فقد أتاني جبرئيل فقال: يا محمد إنَّ شرار أمتك الذين يبيعون الناس ).

وتقريب الدلالة أن نقول:- إنَّ الحديث قال:- ( لئن يلقى الله العبد سارقاً أحبّ إلى الله أن يلقاه وقد احتكر طعاماً ) ، وحيث إنَّ السرقة شيء محرّم والمفروض أنَّ الشخص أن يكون سارقاً أحبّ إلى الله من أن يحتكر الطعام فهذا يدل على أنَّ احتكار الطعام أولى بالحرمة من السرقة ، وتقريب الدلالة هذا يكون بعد أن ثبت أنَّ السرقة محرّمة فمقتضى أنَّ السارق أحبّ فالاحتكار يكون أشدّ ولا أقل يكون حراماً ، فإذن ثبتت بذلك الحرمة.

وفيه:-

أوّلاً:- إنه ربما يقال لعلّ المقصود من أنَّ السرقة أحبّ من الاحتكار لأنَّ الاحتكار ينبئ عن دناءة وخسّة في النفس ، فلعله لهذا صار أنه يلقى الله سارقاً أحبّ من أن يلقاه محتكراً ، فالرواية ليست من ناحية بيان أنَّ حرمة الاحتكار أشدّ من حرمة السرقة ، وإنما هي بصدد بيان إنَّ هذه عملية دنيئة وإن لم تكن محرّمة ولكن السرقة ليست عملية دنيئة بهذه الشدّة ، فلعلّ المنظور هو هذا ، ومعه فلا نستفيد منها الحرمة[7] .

ثانياً:- إنَّ هذه الرواية غاية ما تدل عليه هو أنَّ الاحتكار حرام ، أما أنه حرام في أيّ دائرة فهي ليست في مقام البيان من هذه الناحية ، ولعل الحرمة ثابتة في خصوص الحالتين السابقتين ، ولا يمكن أن نستفيد الحرمة في المجال الأوسع من ذلك.

وأما سندها:- ففيه شخصٌ مجهول.

الرواية الثامنة:- رواية أبي مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال:- ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله:- أيما رجل اشترى طعاماً فكبسه أربعين صباحاً يريد به غلاء المسلمين ثم باعه فتصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع )[8] .

وتقريب الدلالة:- إنَّ هذا الحدث يدل على أنه حتى لو فرض أنه باعه بعد الأربعين يوماً وتصدق بثمنه فهذا لا يكون كفّارة له وهذا معناه أنَّ العمل محرّم جداً إلى الحدّ الذي أنه حتى لو تصدق بالثمن لا يكون كفارة له.

وقد يناقش:- بأنها ناظرة إلى أنَّ هذا العمل فيه حزازة وكراهة شديدة بحيث لو أراد أن يزيل الآثار المترتبة على هذه الكراهة بالبيع والتصدّق بالثمن لا يزيل تلك الكراهة لا أنه حرام ، فلعلّ الرواية ناظرة إلى هذا الجانب لا إلى مسألة الحرمة ، والأمر إليك ، لكني من المتردّدين هنا ، يعني بالتالي دلالة الرواية ليست بواضحة.

ولكن بقطع النظر عن هذا فإنَّ الرواية قالت ( إذا حبسه أربعين صابحاً ) فهذه على اطلاقها لا يمكن أن يؤخذ بها ، فلو فرض أنَّ الطعام كان موجوداً في السوق ولكن هذا الشخص حبسه أربعين صباحاً برجاء أن تحصل أزمة في طعام ويربح فلو باعه بعد ذلك وتصدق بثمنه هل الرواية ناظرة إلى هذه الحالة والحال أنَّ هذا ليس بحرام جزماً ؟ كلا هي ليست ناظرة إلى ذلك ، فلا يوجد أحد يقول بالحرمة بهذا الاطلاق وبعرضه العريض مادام الطعام موجوداً في السوق ، فإذن لابد من تقييدها ، وحينئذٍ القدر المتيقن هو الحالتان أما ما زاد عليهما فنشك فيه ، ومن المناسب أن يكون خصوص الحالتين هو المحرّم ، لأنَّ هذا التشديد الوارد في الرواية يتناسب مع هاتين الحالتين ، فإذن الاطلاق في هذه الرواية لا يمكن التمسّك به بعرضه العريض.

الرواية التاسعة:- ورام بن أبي فراس في كتابه مجموعة ورّام ( تنبيه الخواطر):- ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل قال: اطّلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي فقلت يا مالك لمن هذا ؟ فقال: لثلاثة المحتكرين والمدمنين الخمر والقوّادين )[9] .

وتقريب دلالتها على الحرمة واضح:- لأنها دلت على أنَّ المحتكر يكون في جهنّم بالشكل الذي أشارت إليه وهذا يكفي في دلالتها على الحرمة.

ولكن يرد عليها:- إنها في صدد بيان أنَّ المحتكر في جهنّم ، أما أنَّ بجميع أقسام المحتكر أو بعض أقسامه كذلك فهي ليست في صدد البيان من هذه الناحية ، فإذن لا يمكن التمسّك بإطلاقها.

وإن شئت قلت:- إنَّ مطلق المحتكر لا يحتمل أنه يكون في جهنّم ، فلابد أن يكون المقصود حصة خاصة ، والقدر المتيقن ما أشرنا إليه من الحالتين.

هذا كلّه بقطع النظر عن السند ، وإلا فهي مرسلة كما هو واضح ، فإنَّ الكثير من روايات ورّام هي من المراسيل ، وقد قال عنه في الحدائق:- ( هو جدّ السيد رضي الدين بن طاووس لأمه وكان يثني عليه ثناءً زائداً ويعتمد كتابه )[10] .

الرواية العاشرة:- محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن وهيب عن الحسين بن عبيد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال:- ( رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مرّ بالمحتكرين فامر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون السواق وحيث تنظر الأبصار إليها فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قوّمت عليهم ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى عرف الغضب في وجهه فقال: أنا أقوم عليهم ؟!! إنما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء )[11] .

وتقريب الدلالة واضح:- فإنَّ أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن تخرج إلى بطون الأسواق يدل على أنَّ هذا العمل لا يجوز لهم إذ لو كان جائزاً لهم فلماذا يأمر يعرض ما احتكروه في الأسواق ؟! فإذن دلالتها على الحرمة وغضب الرسول واضح من هذه الناحية في اثبات الحرمة.

ولكن الاشكال الذي يرد عليها:- هو أنَّ هذه قضية في واقعة ، يعني إنَّ أقصى ما دلت عليه هو أنهم احتكروا الطعام ، أما ما هي الحالة التي كانت ؟ فهي مجملة ، فلا تتوجد كلمة تتمكن أن تتمسّك بإطلاقها - كما لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( الاحتكار حرام ) - ، فإذن لا معنى للتمسّك بالإطلاق ، بل أقصى ما هناك هو فعل النبي وأنه صنع هكذا معهم أما الحالة فليست معلومة ولعلّها كانت من قبيل الحالتين السابقتين ، فإذن لا يمكن اثبات الحرمة في الدائرة الأوسع من الحالتين السابقتين من خلال هذه الرواية.

وأما سندها:- فهو محل تأمل من بعض الأشخاص ، ولا أقل من ناحية الحسن بن عبيد الله بن ضمرة عن أبيه عن جدّه ، فلا الحسين ولا أبيه ولا جدّه من الموثقين بل هم مجهولون ، ولعله يوجد فيها ضعفٌ من نواحٍ أخرى ، ولكن يكفينا هذا المقدار ، فعلى هذا الأساس الرواية ضعيفة السند.

ويوجد عليها إشكال آخر:- وهو أنَّ هذا فعل ولائي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يثبت بذلك الحكم الشرعي الذي يعمّ جميع الأزمنة.

ولكن:- ربما يدفع هذا الاشكال ببعض القرائن ، ولكن تكفينا المناقشة التي ذكرناها.

والخلاصة من كلّ ما ذكرناه:- هي أنَّ حرمة الاحتكار في الجملة لا ينبغي الاشكال فيها ، إنما الكلام في حدودها ، وقد اتضح أنه لا يمكن اثبات الحرمة في الدائرة الأوسع من الحالتين المتقدّمتين ، بل القدر المتيقن هما.


[1] هكذا جاء في بعض النسخ.
[3] هذا ما هو موجود في بعض النسخ والمارد من الكتاب القرآن الكريم.
[4] وهذه مثل لله درّك وهي تستعمل في مقام المدح، .
[5] جمع زِينَة.
[6] وهو بائع الحنطة.
[7] وهذه المناقشة ليست مهمة ولك رفضها وغني من المترددين في ذلك.