39/05/16

تحميل ملف (MP3) حجم (3.42MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

39/05/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مسألة ( 45 ) بعض مستحبات التجارة - المكاسب المحرّمة.

الأدب السادس عشر:- يكره أن يتوكل بعض أهل البلد لمن هو غريب بل الحوط استحباباً تركه.

وهذا العنوان ورد في بعض رواياتنا ، وهو ( لا يبيع حاضر لباد ) ، والمعنى أنّه يأتي شخص من أهل البادية إلى المدينة ومعه متاع يريد بيعه في المدينة فيستقبله شخصٌ آخر من أهل المدينة[1] ويقول له أنا أبيع لك هذه السلعة التي عندك مقابل أجرة معينة فإنَّ هذا مكروه.

والنكتة العقلائية لذلك: هي أنَّ هذا البدوي لا يعرف أسعار المدينة فهذا الشخص المتلقّي سوف يبيعها له للبدوي بأرباح جيدة والبدوي يعطيه أجرة على ذلك وهذا ما يسمى بالسمسار وهو الوسيط بين البائع والمشتري ، وهذا مكروه.

وقد تسال وتقول:- لما يكون هذا الفعل مكروهاً ؟ فنحن نسلّم للحكم الشرعي ولكن إذا كانت هناك نكتة فلا بأس ؟

نقول:- لعل النكتة هي أنَّ هذا البدوي إذا دخل السوق ولم يعرف الأسعار فلعلّه يبيع بسعرٍ أقل ويكتفي بأقل ربح وسوف يستفيد المسلمون في البلد ، أما إذا دخل السمسار في الوسط فسوف لا يستفيد أهل البلد بتلك الدرجة ، وكلّما كثرة الوسائط ازداد السعر ، فمن المحتمل أن تكون النكتة هي هذه ، ولعلّه توجد في الرواية إشارة إلى ذلك حيث قالت:- ( دع المسلمين يرزق بعضهم بعضاً ).

فإذن هذا مكروه وقد عرفت أنَّ اللام الواردة في ( لا يبيع حاضر لباد ) يعني ( عن بادٍ ) فاللام هي بمعنى ( عن ) أي عن ذلك الشخص الباد .

وتوجد روايتان - أو لعله أكثر – في هذا المجال:-

الرواية الأولى:- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن أحمد بن النظر عن عمرو بن شمر عن عروة[2] بن عبد الله عن أبي جعفر عليه السلام:- ( قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث لا يبيع حاضر لباد والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض )[3] .

الثانية:- ما رواه الشيخ الطوسي(قده) في مجالسه ولكن بسند آخر يختلف عن السند الأوّل وهي هكذا :- ( الحسن ب محمد الطوسي في مجالسه[4] عن ابيه عن ابن بشران عن إسماعيل بن محمد الصفار عن جعفر بن محمد الورّاق عاصم عن قيس بن الربيع عن سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال:- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض )[5] .

وقد رود هذا المضمون في كتب العامة فلاحظ ما جاء في صحيح مسلم:- ( عن ابن عباس قال نهى النبي صلى الله عليه وآله عن أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد ، قال: قلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد ؟ قال: لا يكون له سمساراً )[6] .

وتوحد رواية أخرى نقلها الشيخ النوري في المستدرك عن عوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله قال:- ( ذروا الناس في غفلاتهم يعيش بعضهم من بعض )[7] ، وهل تنفعنا هذه الرواية في موردنا أو لا ؟ فإنها ليست واردة في بيع حاضر لباد وإنما قالت ( ذروا الناس في غفلاتهم يعيش بعضهم من بعض ) ، إلا أن تقول إنَّ هذه عامّة فبعمومها تشمل المورد.

ونذكر نكتة جانبية:- وهي أنَّ صاحب الجواهر بعد أن نقل تينك الروايتين اللتين عن عروة وعن جابر قال:- ( وغير ذلك من قوله عليه السلام " دعوا الناس على غفلاتها " ) ، لكن هذا التعبير غير وارد وإنما الوارد هو ( ذروا الناس في غفلاتهم ) ، كما أنَّ المحقق للجواهر استخرج هذا الحديث من المستدرك بهذا التعبير والحال أنَّ هذا التعبير ليس بوارد في المستدرك ، وهذه قضية ليست مهمة.

والكلام يقع تارةً من حيث السند ، وأخرى من حيث الدلالة:-

أما من حيث السند:- فقد عرفت أنَّ كلتا الروايتين ضعيفتان ، ولكن ربّ قائل يقول: إنَّ العامة أيضاً رووا نصّ هذا التعبير وأيضاً قد ننتفع برواية المستدرك فهذا المجموع ربما يوجب للفقيه الاطمئنان بالصدور ، فنحن في الوقت الذي نريد فيه أن تكون أسانيد الروايات معتبرة لكن إذا ضمّ الضعيف إلى الضعيف من حيث السند فربما ينتج القوّة من حيث السند فيورث لنا الاطمئنان فنأخذ بالرواية ، وهذه قضية شخصية تتبع نفسية الفقيه ، ولأجل وجاهة احتمال صحة النسبة يصير الفقيه لا أقل إلى الاحتياط الاستحبابي كما صار إليه السيد الماتن(قده) ، أما إذا حصل له الاطمئنان فسوف تصير إلى الاحتياط الوجوبي إن لم يتمكن من الافتاء على طبق ذلك.

وأما من يحث الدلالة:- فإنَّ الورد في الروايتين جملة خبرية لا جملة إنشائية ، فإنَّ الوارد هو ( لا يبيع ) لا أنَّ الوارد هو ( لا يبع ) فإذا كان التعبير بـ ( لا يبع حاضر لباد ) فهذا نهي ، أما لو قال ( لا يبيع ) فهذه جملة خبرية وحينئذٍ هل تدل على الإلزام[8] ويستفاد منها الحرمة أو لا ؟ قال الشيخ الخراساني(قده) إنَّ الجملة الخبرية تفيد الإلزام بل بدرجة أقوى حيث أنَّ الامام عليه السلام أخذ الفعل مفروغاً عن وقوعه - هذا إذا كانت ايجابية - أو مفروغاً عن عدم وقوعه - هذا إذا كانت نافية - فأخبر بعدم الوقوع.

ولكن ذكرنا أنَّ من جملة من خالف وقال بأنها لا تدل على الإلزام الشيخ النراقي(قده) حيث قال: إنَّ هذه نافية والنافية لا تدل على الالزام ، ونص عبارته:- ( وأما ورايتا عروة والمجالس فهما قاصرتان من حيث الدلالة لإثبات الحرمة لعدم ورودهما بصيغة النهي المقتضية للحرمة وإنما هو إخبار في مقام الانشاء ولا يفيد عندنا أزيد من الطلب[9] )[10] .

وليس من البعيد أنَّ ما ذهب إليه صاحب الكفاية(قده) وجيه من هذه الناحية .

ولكن ربما يوهن هذا الظهور:-

أوّلاً:- هذه الرواية اشتملت على فقرة ثانية وهي ( لا يتلقى أحدكم تجارة خارج المصر ) - وهذا ما سوف يأتينا - فإذا قلنا إنَّ التلقي مكروه وليس بحرام فسوف تصير الجملة الأولى مقترنة بالثانية فظهورها في الإلزام سوف يزول ، وهذا يكون على مسلك حكم الوضع الذي نختاره دون مسلك حكم العقل.

ثانياً:- اشتمالها على التعليل ، فقد يقال إنَّ قوله: ( والمسلمون يرزق بعضهم بعضها ) لا يصلح علّة للتحريم وإنما هو أمرٌ ليس إلزامي فيصير قرينة على أنَّ المعلّل ليس إلزامياً.

وأما من حيث الرأي الفقهي:- فقد نقل صاحب الحدائق أنَّ المسألة خلافية ، حيث قال:- ( وقد اختلف الأصحاب في ذلك تحريماً وكراهة فذهب الشيخ .... )[11] .

فإذن الرواية قد يتأمل فيها من حيث السند وكذلك من حيث الدلالة ، والمصير إلى الاحتياط الاستحبابي كما ذهب إليه السيد الماتن(قده) شيء جيد.

الأدب السابع عشر:- كراهة تلقّي الركبان.

والمقصود من ذلك أنَّ الشخص البدوي يأتي من البادية إلى المدينة يحمل معه بضاعته ويخرج شخص أو أشخاص خارج البلد فيشترون البضاعة منه ثم يجلبونها إلى البد فهذا أيضاً ورد النهي عنه في الرواية.

ولعلّ النكتة في ذلك هي:-

الأولى:- نفس ما أشرنا إليه في المكروه السابق ، وهي ( دع الناس يرزق بعهم بعضهاً ) ، فإنَّ البدوي إذا جاء المدينة لعله لا يعرف الأسعار وسوف يستفيد أهل المدينة من ذلك.

الثانية:- لعلّ الشخص الذي اشترى البضاعة سوف لا يعرضها بأجمعها في السوق وإنما يحتكرها ويعرضها شيئاً فشيئاً وذلك يؤدي إلى ارتفاع سعرها فتعود الفائدة الأكثر له دون الناس.

وعلى أي حال المهم ملاحظة الرواية ، والوارد في هذا المجال روايتان ، رواية عن منهال القصّاب ، وهي قد وردت بأربع طرق[12] ، وتوجد رواية ثانية نقلها صاحب الوسائل(قده) عن عروة ، وهي وراية واحدة وفيها ( لا يبيع حاضر لباد ) ، وقد ورد فيها النهي عن التلقّي ، يعني أنه جمع هذان المكروهان في رواية واحدة ، ولكن صاحب الوسائل جزأهما فجعل الأوّل تحت عنوان كراهة بيع حاضر لباد وجعل الجزء الثاني تحت عنوان باب تلقّي الركبان من دون أن ينبّه على أنَّ الرواية واحدة ، ولكن إذا رجعنا إلى الكافي وجدناه يذكر الرواية بالكامل.

فعلى أي حال ورد النهي عن تلقّي الركبان ، وقد قلنا توجد أربع روايات في هذا المجال وهي:-

الأولى:- ما رواه مجمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن منهال القصّاب قال:- ( قال أبو عبد الله عليه السلام :- لا تلق فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن التلقي ، قال: وما حد التلقي ؟ قال: ما دون غدوة أو روحة ، قلت: وكم الغدوة والروحة ؟ قال: أربعة فراسخ ، قال ابن أبي عمير: وما فوق ذلك فليس بتلقٍّ[13] )[14] .

الثانية:- وعن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأحد بن محمد[15] جميعاً عن ابن محبوب عن مثنى الحنّاط عن منهال القصاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ( لا تلق ولا تشتر ما تلقي ولا تأكل منه )[16] .

الثالثة:- الصدوق بإسناده عن منها القصاب أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن تلقي الغنم فقال: ( لا تلق ولا تشترِ ما تلقّي ولا تأكل من لحكم ما تلقّي )[17] .

وقد يقال إنها سماع متعدّد أو أنَّ بعضهن فيه سؤال فتكون متعدّدة وليست واحدة.

الرابعة:- وبالإسناد[18] عن ابن محبوب عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن منهال القصّاب قال: ( قلت له ما حدّ التلقّي ؟ قال: روحة )[19] .

الخامسة:- وعن أبي علي الشعري[20] عن محمد بن عبد الجبار عن أحمد بن النظر عن عمرو بن شمر عن عروة بن عبد الله عن أبي جعفر عليه السلام قال:- ( لا يتلقى أحدكم تجارة خارجاً من المصر )[21] .

أما الرواية التي جمعت كلّ هذه الأمور:- فهي:- ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتلقّى أحدكم تجارةً خارجاً من المصر ولا يبيع حاضر لبادٍ والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض )[22] .


[1] وهذا الاستقبال سواء كان في المدينة أو في أوّل المدينة أو قبلها فإنَّ هذا لا يؤثر فإنَّ الرواية لم تذكر ذلك.
[2] وهؤلاء الثلاثة الذين يقعون في آخر السند مجاهيل.
[4] ومتى ما جاءك المجالس فإن الطابع العام عليها هو أن رجال السند غير رجال السند المألوفين في الكتب الفقهية.
[6] صحيح مسلم، مسلم، ج3، ص1157، ح19، وهذا هو السبب الذي قلت من اجله لعله لأكثر من روايتين.
[7] مستدرك الوسائل، النوري، ج13، ص282، آداب التجارة، ب30، ح3.
[8] يعني الحرمة في الجملة الخبرية النافية.
[9] يعني أصل الطلب لا الطلب الالزامي.
[10] مستند الشيعة، النراقي.
[11] الحدائق الناضرة، البحراني، ج18، ص52.
[12] وهل تعدّها أربع روايات كما صنع صاحب الوسائل(قده) أو هي رواية واحدة فالأمر لك.
[13] يعني ليس بتلق مكروه.
[15] وهو ابن عيسى أو ابن خالد وكلاهما ثقة.
[18] يعني وبالإسناد السابق.
[20] وهو احمد بن ادريس.