39/04/13

تحميل ملف (MP3) حجم (3.35MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/04/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث التجرّي - مبحث القطع والأمارات والأصول العملية.

هذا ولكن السيد الخميني(قده)[1] ذهب إلى العكس وقال إنَّ المتجرّي لا يستحق العقوبة وحاصل ما ذكره:- إنه لو كان المتجرّي يحكم العقل باستحقاقه للعقوبة فالنكتة التي يستند إليها العقل لإثبات استحقاق المتجرّي للعقوبة لابد أن لا تكون نكتة خاصة بالمتجرّي بل هي عامة للعاصي أيضاً ، والنكتة التي تصلح أن تكون مشتركة بين المتجرّي والعاصي هي مخالفة ما علم به الشخص ، يعني أنا أعلم أنَّ هذا حرام وأنه خمر ومع ذلك أخالف وارتكبه وأشربه فهذه مخالفة العلم بحرمة الشيء هو بنفسه موجب عقلاً لاستحقاق العقوبة ، وهذه النكتة عامة للمتجرّي والعاصي فكلاهما خالفا علمهما ، وبالتالي سوف تكون هناك عقوبة في حق المتجرّي لأنه خالف علمه وعقوبة في حقّ العاصي لأنه خالف علمه ، فإذن صار لدينا موجب واحد للعقوبة وهو ثابت في حقّ العاصي والمتجرّي معاً ، ثم نقول:- وهناك موجب عقلي آخر في حق خصوص العاصي يستحق لأجله العقوبة وهو أنه عصى واقعاً وشرب الخمر واقعاً يعني ارتكاب المعصية الواقعية فإنَّ هذا ملاك لاستحقاق العقوبة عقلاً وحينئذٍ سوف تصير النتيجة هي أن كل عاصٍ يلزم أن يستحق عقوبتان لا عقوبة واحدة عقوبة بالملاك المشترك الأوّل وهو مخالفة العلم وعقوبة بالملاك الخاص بالعاصي وهو ارتكاب المعصية الواقعية وهذا لا يمكن أن يلتزم به عقلا ولا عقلائياً ، فإذن مادام لا يوجد موجبان لعقوبة العاصي بل الموجب واحد حتماً فيثبت بذلك أنَّ ملاك استحقاق العقوبة هو منحصر بارتكاب المعصية الواقعية - يعني الملاك الثاني - وأنَّ الملاك الأوّل - وهو مخالفة العلم - باطل وليس بثابت وبذلك ثبت أن المتجري لا يستحق العقوبة.

وفيه:- إنه يمكن أن نلتزم بالملاك الأوّل فقط ونقول إنَّ الملاك الثاني ليس ملاكاً لاستحقاق العقوبة ، يعني ارتكاب المعصية الواقعية ليس ملاكاً لاستحقاق العقوبة فإنَّ ملاك استحقاق العقوبة هو التمرّد على المولى والتمرّد إنما يصدق فيما إذا علم المكلف وخالف ، أما إذا لم يعلم بأنه خمر وشربه فليس هناك تمرّد ولا موجب لاستحقاق العقوبة واستحقاق العقوبة فرع العلم ، فإذن الملاك الموجود عندنا هو الأول فقط دون الثاني والحال أنه أخذ بالثاني وجعله ملاكاً مسلّماً وأخذ يشكك بالملاك الأوّل والحال أنَّ القضية عكسية تماماً فإنَّ الملاك الموجب للعقوبة هو الأوّل - وهو مخالفة العلم - أما ما ذكر ثانياً - وهو ارتكاب المعصية الواقعية - فليس ملاكاً لاستحقاق العقوبة ، وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً.

على ماذا تكون العقوبة ؟

بعد أن اخترنا أنَّ المتجرّي يستحق العقوبة إما لأجل ما تمسكنا به وفاقاً لصاحب الكفاية(قده) وهو الوجدان أو لأجل الأدلة الثلاثة - التي كان منعا اثنين للمجدد الشيرازي والثالث للسبزواري صاحب الذخيرة - فعلى ماذا تكون العقوبة ، فهل تكون على الفعل أو على القصد ؟ والمقصود من الفعل هو الفعل المتجرّى به يعني حينما يمدّ الشخص يده ويضع الإناء على فمه ويشربه فهل العقوبة تكون على هذا الفعل أو أنها تكون على قصد ارتكاب المحرّم ؟

قال الشيخ الخراساني(قده):- إنَّ العقوبة على القصد دون الفعل.

ولعلّ النكتة هي أن الفعل عنده ليس بقبيح فهو في هذه القضية وافق الشيخ الأعظم(قده) فقال إنَّ الفعل بيس بقبيح فإذا لم يكن قبيحاً فلا عقوبة عليه فاضطر إلى أن يقول إنَّ العقوبة هي على القصد ، ولكن نحن بعد أن اخترانا أنَّ الفعل المتجرّى به قبيح وأن نفس القبح الفاعلي - أي قبح الصدور - يصير سبباً لاتّصاف الفعل بالقبح فنحن في راحة ، يعني حيث إنَّ القبح للفعل فالعقاب يكون للفعل ، ولكن الشيخ الخراساني ماذا يصنع ؟ إنه قال: إنَّ العقاب يصير على قصد التجرّي - قصد المعصية - ، ثم التفت إلى نفسه وقال إنَّ القصد ليس باختياري فكيف يكون العقاب على ما ليس باختياري.

ثم أجاب وقال:- لنقل إنَّ العقاب لازم ذاتي للبُعد عن الله عزّ وجلّ ، هذا البعد الذي هو ناشئ من قصد التجرّي ، وقصد التجرّي نشأ من سوء السريرة وخبث الباطن ، وخبث الباطن الذي هو ذاتي .

ثم قال:- ينقطع السؤال بأنه لم اختار العاصي العصيان والمتجرّي التجري والمعصية ، لأنَّ هذا ذاتي نظير قولك لماذا صارت المشمشة مشمشة والبرتقال برتقالاً ... وهكذا ، ثم التفت غلى نفسه.

وقال:- إذا كانت القضايا راجعة إلى أمر ذاتي فلماذا يرسل الله الأنبياء والرسل لأنَّ هذا ليس فيه فائدة لأنَّ الطيّب طيّب والخبيث خبيث ؟ أجاب عن ذلك وقال:- لكي لا يكون على الله حجة ولينتفع بذلك من طابت نفسه.

وفيه:-

أوّلاً:- إنه ادّعى في البداية أن العقاب يكون على القصد ثم بعد ذلك حينما ذكر أن القصد ليس اختبارياً قال فليكن من لوازم البعد عن الله نتعالى ، إنَّ هذا البيان بحيث يقول في البداية العقوبة هي على القصد ثم يقول بعد ذلك إنَّ العقوبة لبست على القصد وإنما هي من اللوازم الذاتية للبعد فإنَّ طريقة ليست صحيحة وليست طريقة علمية.

ثانياً:- إنَّ نفس القصد لنقل هو اختياري فإنَّ الإنسان إذا التفت إلى شيء والتفت إلى محاسنه وايجابياته فسوف يقصد ارتكابه وإذا التفت إلى مساوئه وسلبياته فسوف يقصد عدمه ، ، فمثلاً أنت لا تحب نوعاً من الفاكهة فلو قرأت عن فوائدها فالقراءة باختبارك فسوف يصير لك قصد لتناولها فصار القصد لك بالاختيار بسبب قراءتك ، وهكذا حينما تقرأ السلبيات تقصد عدم أكلها رغم أنك تحبها كثيراً ، فإذن هذا بالاختيار ، بل نقول أكثر وهو أنّ الحبّ والبغض اختباريان ، فحبّ أهل البيت عليهم السلام اختياري ، فلو قرأت فضائلهم فسوف يصير عندك حبّ لهم ، أما إذا لم تقرأ فضائلهم فسوف لا يصير عند حبّ لهم ، وهكذا لو قرات مثالب الطرف الآخر فسوف يصير عندك العكس.

إذن الحبّ والبغض فضلاً عن القصد من الأمور الاختيارية ، وأنا انتقلت إلى الحبّ والبغض رغم أنَّ كلامنا في القصد وذلك لأنَّ الحبَّ والبغض مرتبة أعلى - فلعلّ شخص يقول إنَّ الحبّ والبغض ليس اختيارياً - فكيف هو بالقصد فإنَّ القصد أولى أن يكون باختيار الإنسان ، فلو فكّر الإنسان في الشيء أنه خمر وأنه توجد قيامة وعذاب ونار يوجد قبر فسوف يقصد العدم ، فإذن صار القصد اختياراً.

ثالثاً:- إنه ذكر أنَّ العقاب لازم ذاتي للبُعد ، والبعد لازم ذاتي لقصد التجرّي ، وقصد التجرّي من لوازم سوء السريرة ، لكن هذا معناه أنَّ المغفرة والشفاعة وكلَّ هذه الأمور لا مجال لها ، لأنَّ هذا سوف يصير لازماً ذاتياً مثل ( النار محرقة ) فهل يمكن أن ندخل الشفاعة ونقول للنبي تعال واشفع حتى تكون النار ليست محرقة ؟!! إنَّ هذا لا يمكن ، لأنَّ هذا لازم ذاتي ، فإذا كانت العقوبة لازم ذاتي للبُعد فالمغفرة والشفاعة وغير ذلك لا مجال لها حينئذٍ، ضافاً إلى أنَّ ذلك مخالف للآيات الكريمة التي تدل على أنَّ العقوبة هي من باب الجزاء على ما كسبت يد الإنسان قال تعالى: ﴿ ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون﴾[2] وقال تعالى ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ﴾[3] ، والشاهد هو أنَّ الآية الكريمة الأولى تقول ( بما كسبوا ) يعني أنَّ الجزاء يكون في مقابل ما كسبت يد الإنسان وليس من اللوازم الذاتية للبُعد ، والآية الثانية تدل على أنهم يستحقون العقوبة بسبب كسبهم.

رابعاً:- إنَّ ما ذكره(قده) هو عين الجبر.


[1] تهذيب الأصول، الخميني، ج3، ص90.
[2] سورة الجاثية، ألاية14.