39/04/12

تحميل ملف (MP3) حجم (3.16MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/04/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث التجرّي - مبحث القطع والأمارات والأصول العملية.

الوجه الثاني[1] :- إنَّ استحقاق الشخص للعقاب إما أن يكون للقبح الفعلي أو للقبح الفاعلي ولا شق ثالث في البين ، وبعد هذا نقول: إنَّ مناط العقوبة ليس هو القبح الفعلي[2] وإلا يلزم أن من شرب الخمر باعتقاد أنه ماء ثم اتضح أنه خمر لا يوجد في حقه قبح فاعلي[3] لأنه جاهل بكونه خمراً ، فقبح صدوري ليس بموجود لأنه جاهل ولكن يوجد قبح فعلي لأنه بالتالي هو شرب للخمر ، فلو كان مناط استحقاق العقوبة هو القبح الفعلي يلزم أن يكون هذا الشخص مستحقاً للعقاب ، لأنَّ ما تحقق منه هو القبح الفعلي ، لأنَّ ذات الفعل بما هو فعل قبيح لأنه شربٌ للخمر والحال أنه لا يحتمل ذلك أحد ، إذن المناط في استحقاق العقوبة هو القبح الفاعلي ، يعني إذا كان الصدور قبيحاً فهو يوجب استحقاق العقوبة ، وإذا سلّمنا أنَّ هذا هو الميزان الصحيح لاستحقاق العقوبة - يعني القبح الفاعلي – فنقول إنَّ القبح الفاعلي موجودٌ في حقّ المتجرّي فيكون مستحقاً للعقوبة ، وبذلك ثبت المطلوب.

ويرد عليه:- إنَّه ذكر أنَّ مناط استحقاق العقوبة هو إما القبح الفعلي أو القبح الفاعلي وحيث إنَّ الأول باطل فيتعيّن الثاني الذي هو ثابت في حق المتجرّي ، نحن نقول:- إنه يحتمل أن يكون مناط استحقاق العقوبة هو المجموع - يعني القبح الفعلي مع القبح الفاعلي معاً - ، فإن هذا احتمال وجيه ، فالفعل إذا كان في ذاته خمراً[4] والصدور كان قبيحاً[5] فهنا يثبت استحقاق العقوبة ، فليس ميزان استحقاق العقوبة منحصراً بأحد أمرين وإنما لنجعل معهما أمراً ثالثاً.

ونحن لا نريد أن نقول: إنَّ الميزان الثالث صحيح فقد لا نبني عليه ، ولكن نريد أن نقول إنَّ حصر الميزان في أمرين قابل للمناقشة ، فيمكن لشخصٍ أن يقول إنَّ الميزان لاستحقاق العقوبة هو المجموع من القبح الفعلي والفاعلي معاً دون القبح الفاعلي فقط كما أراد هو ، وهذا لم يذكره ولم يبطله ولم يخطر في ذهنه فكان عليه أن يذكره ويبطله.

الوجه الثالث:- وقد ذكره الملا محمد باقر السبزواري(قده) صاحب الذخيرة حسب نقل الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل[6] وحاصله:- إنَّ المتجرّي لو لم يكن معاقباً بل كان العاصي هو المعاقب فقط يلزم إناطة استحقاق العقوبة بأمر غير اختياري وهو المصادفة التي هي غير اختيارية ولا يجوز إناطة العقوبة بأمرٍ غير اختياري.

ملاحظة:- إنَّ السبزواري(قده) لم يبيّن الدليل بهذا الشكل ، وإنا حينما بيّنته بهذا الشكل دخلت في صلب الموضوع رأساً وأعطيتك خلاصة الدليل ، ولكن أحياناً قد يحتاج الشخص إلى ذكر مقدّمات ، والسبزواري(قده) اتبع هذا الطريق فقال: لو فرض أنَّ شخصين تناولا سائلين فلو تناول أحدهما إناءً وكان خمراً واقعاً والثاني تناول الاناء الثاني وكان ماءً اقعاً فكم هي الاحتمالات من حيث العقوبة ؟ إنّه إما أن نقول:- إنهما لا يستحقان العقوبة معاً ، وهذا باطل إذ كيف لا يعاقب من شرب الخمر والعامل بكونه خمراً ؟!! ، أو نقول:- إنَّ الذي شرب الماء يستحق العقوبة والذي شرب الخمر لا يستحق العقوبة ، وهذا واضح الوهن وهو مضحك للثكلى ، أو نقول:- إنَّ من شرب الخمر هو الذي يستحق العقوبة والذي شرب الماء لا يستحقها ، وهذا يلزم منه إناطة العقوبة بأمر غير اختياري -أعني مصادفة الواقع وهي غير اختيارية - ، وبعد بطلان هذه الشقوق الثلاثة يتعيّن بذلك الشق الرابع وهو أنَّ الاثنين معاً يستحقان العقوبة ، وبذلك ثبت المطلوب وهو أنَّ المتجرّي يستحق العقوبة.

ويردّه:- إننا نختار أنَّ المصادف قطعه للواقع يعاقب والذي لم يصادف قطه للواقع لا يعاقب ، والوجه في ذلك: هو أنه أما من صادف قطعة الواقع - يعني شرب الخمر - فباعتبار أنَّ شرب الخمر قد صدر منه باختياره وعن إرادة وقصد واختيار فاستحقاق العقوبة يصير على فعلٍ قد صدر منه باختياره ، أما الذي لم يصادف قطعه الواقع نقول هو لا يسحق العقوبة ، لأننا نريد أن ننفي العقوبة عنه والأول لأجل أمرٍ غير اختياري ، ونفي العقوبة لأمرٍ غير اختياري شيء وجيه ، إنما المرفوض هو اثبات العقوبة لأمرٍ غير اختياري ، أما نفيها وإرادة التخفيف عن المكلّف ولو لأجل شيءٍ غير اختياري فهذا ليس بقبيح وهو تخفيفٌ مطلوب.

وبذلك اتضح أنَّ جميع الوجوه الثلاثة التي استدل بها على اثبات استحقاق المتجرّي للعقوبة قابلة للمناقشة.

ولكننا رغم ذلك نقول:- إنَّ المتجرّي يستحق العقوبة لقضاء الوجدان بأنَّ هذا العبد بتجرّيه قد تمرّد على المولى[7] .

ولكن من الغريب ذهاب السيد الخميني(قده) إلى شيءٍ آخر حيث قال:- إنَّ المتجرّي لا يستحق العقوبة بالبرهان.


[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج3، ص53، وهو للمجدد الشيرازي وقد نقله عنه تلميذه المحقق العراقي.
[2] أي كون نفس الفعل بقطع النظر عن حيثية الصدور هو قبيح يعني ذات الفعل هو قبيح.
[3] يعني من حيث الصدور.
[4] فهذا قبح فعلي.
[5] يعني أنه كان ملتفتاً إلى كونه خمراً؟.
[6] فرائد الأصول، الأنصاري، ج1، ص38.
[7] وهذه هي طريقة صاحب الكفاية.