39/04/07

تحميل ملف (MP3) حجم (3.25MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

39/04/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حرمة حلق اللحية - مسألة ( 43 ) - المكاسب المحرّمة.

وأما الروايات:-

الرواية الأولى:- رواية علي بن غراب ، وقد رواها الشيخ الصدوق في معاني الأخبار عن الحسين بن إبراهيم المكتِّب[1] عن محمد بن جعفر الأسدي عن موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عليهم السلام ، والسند بهذا الشكل نقله صاحب الوسائل ، ولكن إذا رجعنا إلى معاني الأخبار فتوجد زيادة حيث يذكر الصدوق السند إلى علي بن غراب وأنه قال:- ( حدثني خير الجعافرة جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عليهم السلام ) فالاضافة هي هذه الجملة ، وأنا ذكرت هذه الزيادة لأجل نكتة لعلها تأتي فيما بعد وقد نستشهد لأجلها بهذا التعبير ، ونصّ الرواية هي:- ( قال:- قال رسول الله صلى الله عليه وآله حفّوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبهوا بالمجوس )[2] ، وهذه الرواية رواها الشيخ الصدوق في كتابه معاني الأخبار ، كما أنه ورواها في الفقيه بشكل مرسل حيث قال:- ( قال رسول اله صلى الله عليه وآله:- حفّوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبهوا باليهود )[3] .

وربما يقال:- إنَّ بعض الروايات التي يرويها الشيخ الصدوق بشكل مرسل ، لأنه عنده ارسال ليس بالقليل في كتاب الفقيه ولذلك قيل بأن مراسيل الصدوق إذا كانت بلسان ( قال ) فهي حجة وإذا لم تكن بلسان قال وإنما بيسان روي مثلاً فهذا ليس بحجة فظاهرة الارسال بلسان ( قال ) موجوده عنده فقيل إنَّ ما يرويه في الفقيه بشكل مرسل قد نجد له سنداً في كتبه الأخرى ، وبناء على هذا إذا تتبعنا لعلّنا نجد ما هو مرسل في الفقيه نجد له سنداً في بقية كتبه وهذه فائدة مهمة فإنه بها سوف يخرج حديثه من الارسال إلى الاسناد.

وروى الصدوق أيضاً رواية ثالثة حيث قال:- ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله أن المجوس جزّوا لحاهم ووفروا شواربهم إنا نحن نجزّ الشوارب ونعفو اللحى وهي الفطرة )[4] .

وعلى أيّ حال يمكن أن نقول:- إنَّ الرواية وإن تعددت لفظاً ولكن ليس من البعيد أن تكون واحدة ، وهذا لا يؤثر.

وربما يقال:- إنَّ هذا المضمون ورد أيضاً في روايات العامة بكثرة وليس في رواياتنا فقط وربما يجعل هذا مؤيداً أو ما يوجب قوّة احتمال الصدور مثلاً بهذا الشكل ، فإذا بنينا أنَّ قوة الاحتمال في الصدور تكفي وإن لم يكن السند معتبراً فسوف ينفعنا هذا.

وأما الدلالة:- فنذكر ثلاث مناقشات:-

المناقشة الأولى:- إنه ورد في الرواية أنه ( حفّوا الشوارب ) ومن المعلوم أن حفّ الشارب ليس بواجب ، ومعه لا يمكن أن نستفيد من الأمر باللحى الوجوب إذ اتصل به ما يصلح أن يكون قرينة على ارادة الاستحباب ، يعني أنَّ النهي في الفقرة الأولى يزعزع الظهور في الوجوب.

ومن الواضح أنَّ هذا الاشكال إذا لم نبنِ على مسلك حكم العقل وإلا بناءً عليه لا يتزعزع الحكم بالوجوب لأنه بناء على مسلك حكم العقل الظهور فقط وفقط هو في أصل الطلب والعقل يحكم بالوجوب إن لم تكن هناك قرينة على الجواز وإذا كانت هناك قرينة على الجواز يحكم بالاستحباب ، فالوجوب والاستحباب حكمان عقليان وليسا مدلولين لفظيين ، يعني صيغة الأمر ( حفّوا ) و (اعفوا ) مستعملة في أصل الطلب وهذا لم يتزعزع ، فهو في كليهما استعمال في الطلب لكنه في الجملة الأولى حيث نعرف من الخارج أنَّ حفّ الشوارب استحبابي فالعقل يحكم بالاستحباب ، ولا نعرف ذلك في الجملة الثانية فالعقل يحكم بوجوب الاعفاء ، فحينئذٍ لا نقول إنَّ السياق قد تزعزع فإنَّ هذا يأتي بناء على مسلك الوضع وأما بناء على مسلك حكم العقل فلا يأتي ، وحيث أننا نبني على مسلك الوضع فعلى هذا الأساس يشكل التمسّك بهذه الرواية ، فإذا أردنا أن نرفع الاشكال فإما أن نبني على مسلك حكم العقل ، أو أن نبني على شيء ثانٍ وذلك بأن يقال إنه ليس المقصود من الشارب كلّ الشعر النابت على أعلى الشفة وإنما المقصود منه القسم الذي يغطّي الفم وهو القسم الأسفل المتدلّي ، فالمقصود من ( احفّوا الشارب ) هو هذا المقدار وهذا ربما يلتزم بوجوبه ، فإذا فسّرنا الشارب بهذا التفسير والتزمنا بوجوبه فسوف يندفع الاشكال الأوّل ، ولكن كلا المطلبين يصعب الالتزام بهما ، فعلى هذا الأساس يكون الاشكال المذكور وارداً ، هذا هو الاشكال الأوّل وهو يختلف باختلاف المباني.

الاشكال الثاني:- وقد ذكرة السيد الخوئي(قده)[5] ، وحاصله: إنَّ الرواية تقول ( واعفوا اللحى ) واعفاء اللحى عبارة أخرى عن تركها من دون مسٍّ بقص وهذا لا يحتمل كونه مقصوداً وإلا لزم إن تكون لحية كل انسان طويلة جداً مضافاً إلى أننا من الخارج لا نحتمل حرمة القص ولو بمقدار يسير[6] ، فإذن لقرينتين هذا الاعفاء بهذا المعنى لا يكون مقصودة وإنما المقصود هو مرحلة معينة من الاعفاء وليس من البعيد أنها مقدار قبضة فإنه سيأتي في بع الروايات أنَّ مقدار قبضة هو الراجح للمؤمن وإذا حملناها على الاعفاء بمقدار قبضة فهذا مستحب وليس واجباً ، فإذن النتيجة هي أنَّ الرواية تدل على الوجوب وليس على الاستحباب بعد تفسري الاعفاء لا بالإعفاء الكلّي بل بمعنى ابقاء مقدار قبضة هذا مستحب جزماً ، فإذن الرواية لا تدل على الوجوب.

وفيه:- نحن معه أنه ليس المقصود من الاعفاء يعني الاعفاء الكلي والكامل وإنما المقصود هو الاعفاء بدرجة ولكن لماذا تحمله على القبضة حتى تقول إنَّ هذا مستحب فتكون الرواية دالة على أمر استحبابي لا الوجوبي ، كلا إنما الاعفاء يقصد به قضية ثانية وهي أن يبقى مقدار من اللحية بحيث يقال إنَّ هذا ملتحي كاللحية المتعارفة وإن لم تكن بمقدار قبضة ، فإذن المقصود من اعفاء اللحى بعد عدم إرادة الاعفاء الكلي هو هذا المعنى يعني أن يصدق على الانسان أنه له لحية وذو لحية لا أنه يحمل على مقدار القبضة.

وإذا رجعنا إلى معاني الأخبار وجدنا أنه يقول في ذيل الحديث:- ( قال الكسائي:- قوله تعفي يعني توفّر وتكثر )[7] فهو فسّره بهذا المعنى ، ولم يفسّره بالقبضة ، وإنما فسّره بالتوفير ، وقفد قلنا إنَّ التوفير عبارة أخرى أنه يصدق على الإنسان أنه ملتحٍ ، ثم قال:- ( قال أبو عبيدة:- يقال فيه قد عفى الشعر وغيره إذا كثر ) ، فإذا لا يحتمل أن المقصود هو الاعفاء الكلي ولا بمقدار قبضة وإنما المقصود ما أشرنا إليه ، وهو المتبادر إلى أذهاننا حينما يؤمر الشخص بإعفاء اللحية فإنه يفهم منه أنه لا تحلقها وتقلعها من الأساس وإنما يبقى شيء منها ، فعلى هذا الأساس لا إشكال من هذه الناحية.

الاشكال الثالث[8] :- إن الرواية قالت ( ولا تشبّهوا بالمجوس ) فالنكتة هي التشبّه بالمجوس حيث يقال[9] إنَّ المجوس كانوا يفتلون شواربهم ويحلقون لحاهم فجاءت الرواية لتقول لا تشبّهوا بالمجوس ، فإذن على العكس فأنت أزل الشارب خلافاً لهم حيث كانوا يبقونه ويفتلونه أما اللحية التي كانوا يحلقونها فأنت أبقِها ، فإذن المقصود هو النهي عن التشبّه بالمجوس ، ومن المعلوم أنه إذا كانت هذه هي النكتة فحينئذٍ ترك التشبّه بالمجوس يمكن أن يحصل بشكلٍ آخر لأنَّ المهم هو عدم التشبّه بهم وهذا يمكن أن يحصل بشكلٍ آخر وهو أن تحلق والشارب واللحية معاً وحينئذٍ هذا لا يصدق عليه أنه تشبّه بهم فيكون جائزاً ، وبالتالي ثبت جواز حلق اللحية لكن بشرط حلق الشارب ، وعليه فسوف يثبت جواز حلق اللحية بناءً على هذا ، أو نقول: إنهم كانوا يصنعون هذا في ذلك الزمان أما في زماننا فهم لا يصنعونه فمادام ليس موجوداً فإذن يجوز حتى فتل الشارب وحلق اللحية لأنَّ التشبه كان في الزمن السابق أما الآن فقد تغيّر الحال ، فإذن لا مشكلة في أن نحلق اللحية ونبقي الشارب مفتولاً أو غير مفتول ، أو نقول:- إنَّ أصل النهي عن التشبّه هو في نفسه ليس بلزومي ، إذ من البعيد أن يكون لزومياً ، فإذا كان كذلك فالنهي المتفرّع عليه[10] سوف لا يكون لزومياً لأنَّ النكتة ليست لزومية.

وفيه:- إنه بناء على ما ذكر يكون النهي منصبّاً على التشبه فلابد وأن تقول الرواية من البداية ( لا تشبّهوا ) لأنه على رأيه هذا هو الأساس وذلك تفريعٌ ، يعني أنَّ الأمر بإعفاء اللحية والأمر بحلق الشارب متفرّع ، فلابد وأن يتوجه التكليف في البداية إلى التشبّه ويقال ( لا تشبهوا بالمجوس فاحلقوا شاربكم واعفوا لحاكم ) والحال أنَّ الرواية لم تصنع ذلك ، نعم نحن نوافق على أن يكون النهي عن التشبّه بمثابة الحِكمة وهو شيء وجيه ، فالرواية أمرت بقصّ الشارب واعفاء اللحى والمفروض أنَّ ظاهر الأمر هو الوجوب والالزام ثم ذكرت بعد ذلك حكمة فقالت ( ولا تشبّهوا ) فهذا بمثابة الحكمة وليس بمثابة العلّة.

فإذن ليس عندنا في جوابه إلا أن نقول إنَّ ما ذكره مخالف للظهور الذي نفهمه من أنَّ مصب التكليف ابتداءً هو اعفاء اللحى وحفّ الشارب أما ذاك فقد ذكرته الرواية من باب الحكمة وإذ لو كان هو العلّة والأساس لكان من المناسب تقديمه في أوّل الكلام.

إن قلت:- ما رأيك لو فرض أنه توجد رواية أخرى كانت تقول ( لا تشرب الخمر لأنه مكر ) هذا نستسيغه والحال أنه قد تأخر مع أنَّ الأساس هو حيثية الاسكار وليس شرب الخمر بعنوانه.

قلت:- إنه هنا أتى باللام حيث قال ( لأنه مسكر ) فهذه تكون بمثابة التقديم ، فهو أوحى من البداية على أنَّ هذا هو الأساس وهو قد أوحى بذلك من خلال اللام ، أما في مقامنا فلا يوجد تعبير باللام فيلزم التقديم ، وحيث لم يقدّم النهي عن التشبّه بالمجوس فهذا من الوجيه أن يكون حكمة.

والخلاصة:- إنه ليس عندنا إلا أن نقول إنَّ هذا مخالف للظاهر.

ومن خلال هذا كله اتضح أنَّ المناقشة المهمة هي الأولى ، يعني أنَّ الأمر بالإعفاء اقترن بالأمر بحفّ الشارب وحيث إنه ليس بواجب فهذا يزعزع التمسّك بظهور السياق.


[1] والمكتِّب يعني معلّم ويقال كان الحجاج مكتّباً اي كان معلّماً.
[2] وسائل الشيعة، العاملي، ج2، ص116، ابواب آداب الحمام، ب67، ح3، ط آل اليت.
[3] وسائل الشيعة، العاملي، ج2، ص116، ابواب آداب الحمام، ب67، ح3، ح1، ط آل البيت.
[4] وسائل الشيعة، العاملي، ج2، ص116، ابواب آداب الحمام، ب67، ح3، ح2، ط آل البيت.
[5] محاضرات في الفقه الجعفري، الخوئي، ج1، ص289، وكذلك الاشكال الثالث هو للسيد الخوئي ايضاً. مصباح الفقاهة، تسلسل35، ص402.
[6] يعني يوجد محذوران هنا.
[7] معاني الأخبار، الصدوق، ص277.
[8] وهو للسيد الخوئي أيضاً.
[9] هذا قد توجد رواية في المستدرك تدل عليه.
[10] يعني الأمر بإعفاء اللحى.