38/02/05

تحميل ملف (MP3) حجم (2.07MB)

الأستاذ السيد علي السبزواري

بحث الفقه

38/02/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:شرائط الوضوء.

كان الكلام فيما يتصور في الرياء , وقلنا بأن الرياء تارة يكون علة تامة في المحركية والانبعاث ، وتارة يكون جزء العلة وتارة يكون على نحو العلية البدلية , أي بمعنى المحركية والامتثال والدعوية إلى امتثال أمر الله هو المحرك للإنسان إلّا أنّه ضم إليه الرياء فيكون هذا على البدل لا على جزء العلة فإنّ هذ الامتثال هو المحرك والباعث لإتيان العمل.

اما إذا كان الامتثال هو المحرك نحو اتيان العمل لكن لو انضم اليه داعٍ آخر, وهذا الداعي الآخر يدعو إلى الرياء فيصير الرياء مع ذلك الداعي الذي انضم معه, فحينئذ هذه هي عبارة المصنف قال (سواء كان الرياء مستقلاً أو كان بالتبع) فالصورتان الأوليتان إنّما تدلان على أنّ الرياء مستقل وفي الصورتين الأخيرتين أنّ الرياء لا يكون مستقلاً وإنّما يكون بالتبع.

فهل الحرمة والبطلان إنّما يختصان بالصورتين الأوليتين أم تشملان الصورة الثالثة والرابعة ؟

الجواب:- ذهب المشهور إلى أنّ البطلان يشمل جميع الصور الأربعة وأهم دليل في البين هو ما ذكرناه من صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه ‌السلام) قال : لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الاخرة وأدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا)[1] . وهذه العبارة تشمل جميع الأقسام الأربعة, سواء كان هذا الرياء علة مستقلة أو كان الرياء علة بدلية أو كان الرياء جزء العلة.

ولا ريب أن الرياء له مراتب متعددة, فتارة تكون علة تامة وتارة تكون جزء العلة , وتارة ينضم إلى المحركية نحو الإمتثال لكن لا يكون داعياً إلى اتيانه , وتارة يكون تبعاً لداعي آخر انضم الى الداعوية للامتثال , كل هذه طلبا لرضا الناس فيشمل ذلك, هذا ما ذهب اليه المشهور, ولكن ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ الرياء المحرم والمبطل هو الصورة الأولى والثانية وأمّا الصورة الثالثة والرابعة فلا تشملها , واستدل بدليلين.

الدليل الأول:- هو الدليل العقلي فقالوا أنه في المقام إنما نحتاج الى اتيان العمل داعوية رضا الله تبارك وتعالى, أن يكون المحرك نحو اتيان العمل والانبعاث نحو العمل هو التقرب الى الله وامتثال امره وهذا الذي نحتاجه في صحة العمل ، فاذا تحققت هذه الداعوية صح العمل وان انضم اليه الرياء على القسم الثالث أو القسم الرابع فما دامت داعوية العمل وداعوية الامتثال نحو العمل مستقلا كفى هذا المقدار , فأخرجنا أمر مستقل انضم اليه الرياء حينئذ ولكن لا يكون له الداعوية اما مستقلا واما بتبع داع اخر, فهذا كاف في صحة العمل ويرشد الى ذلك ما سياتي من أنه لو انضم الى الداعوية الى الامتثال ضمائم أخرى, فلا يقولون الفقهاء في بطلان ذلك وسيأتي المثال في عبارة السيد الماتن (لو توضأ قربة الى الله وللتبريد لا يضر ذلك) فليكن المقام من مثل هذا القبيل, ولماذا لا يضر؟ لأن الداعوية نحوه كان متحققا مستقلا وانما هذا صار تبعا الامتثال فليكن الرياء من قبيل النية.

لكن الجواب على هذا واضح فأولا اطلاق الحديث الشريف، وفي المقام ان الرياء انما شدد الشارع فيه بما لم يتشدد فيه ببقية الدواعي ونرجع في الرياء الى الصدق العرفي ولا نحتاج أن نلتمس ذلك من دليل فما صدق عليه أن ذاك الشخص مراء في عمله تشمله الأدلة حينئذ ونعلم أن الرياء مراتب عند العرف تارة تكون محركية تامة جزء العلة أو على نحو الآخر فهذا نعلمه.

فالمناط في هذا الصدق العرفي لا مجرد كون الداعي الى اتيان الامر مستقلا وان انضم اليه الرياء تبعا فالعرف اذا حكم بان هذا المورد انما تحقق فيه الرياء ولو على نحو التبع يشمله الحديث حينئذ فالمفروض القسمين أو الصورتين أنم الرياء تبعا للداعوية المستقلة فيحكم علبه بانه ادخل رضا غير الله فيه فيشمله الحديث حينئذ, فما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) وغيره من ان الداعوية المستقلة حاصلة ولا حاجة الى انضمام النية الاخرى ولو حصلت حينئذ لا تضر فالأمر يختلف بين الرياء وغيره من الضمائم ففي الرياء تشديد لم يكن في غيره من الضمائم ولان المناط في الرياء هو الصدق العرفي فاذا صدق الرياء على مورد انما يحكم بحرمته وبطلان العمل والمفروض انه يصدق على ذلك والحديث انما يشير الى هذا الصدق العرفي هذا بالنسبة الى الاخبار.

الدليل الثاني:- قال ان الاخبار وان كانت بعضها ضعيفة ولكنها بمجموعها تدل على حرمة الرياء وبطلان العمل هذه الروايات كثيرة ذكر منها واحدة وهي ما رواه البرقي عن ابيه عن محمد بن عمير عن الصادق عليه الصلاة والسلام والرواية هكذا: عن هشام في المحاسن عن ابيه عن ابن ابي عمير عن هشام ابن سالم عن ابي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: يقول الله عز وجل أنا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري).

وهذا الحديث يدل على بطلان العبادة باي نحو كان على نحو الاستقلال أو كان على نحو البدلية أو كان على نحو جزء العلة, ولكن الحديث السابق أولى وأظهر من هذا الحديث.

وناقش السيد الخوئي (قدس سره) في هذا الحديث من جهتين :

الجهة الأولى:- في متن هذا الحديث اذ فيه سقط أو سهو في العبارة والعبارة هكذا (انا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري) وهذه العبارة (فهو لمن عمله غيري) غير تامة والصحيح (كمن عمله لغيري) ويشهد رواية أخرى بهذا المضمون (قال تبارك وتعالى من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له) وهذا يدل على أن في العبارة سقط.

الجهة الثانية:- من حيث السند قال بان والد البرقي اختلف فيه فالنجاشي اعتبره ممن ينقل الخبر الصحيح وغيره , وابن الغضائري يقول كذلك أيضا ولكن الشيخ رحمه الله وثقه, كلامنا مع هذين العلمين الأولين , فاما ابن الغضائري فلا يؤخذ بتضعيفاته كما هو معروف بين العلماء الا اذا يعضده تضعيف من علماء آخرين وأما النجاشي وان كان معتبرا فيستعمل الاجتهاد كثيرا في تضعيفاته واجتهاه كاجتهادنا نحن فمن قال ان اجتهاد النجاشي انما يكون معتبرا واجتهاد غيره لا يكون معتبرا , كما ان العبارة لا تدل على ضعف الرجل فلا منافاة بين رأي الشيخين ، والشيخ الطوسي حيث وثقه فالسند معتبر ولا اشكال فيه, ولكن تغنينا تلك الرواية فهي صحيحة سندا ومعتبرة متنا والتي هي صحيحة زرارة ، وحينئذ يكون نصا في المطلوب ، واما الروايات الكثيرة الاخرى التي نقلنا كثيرا منها فيما سبق وسنذكر كلها تدل ضروريا على بطلان العمل ولا نقاش من حيث دلالتها فالكلام مع السيد المرتضى الذي ذهب الى ان العمل المرائى فيه يكون حراما تكليفا ولا يدل على بطلان العمل ولكنه غير مقبول ولا ثواب عليه.

واستدل السيد المرتضى (رحمه الله) بأمور.

الأول:- ما ورد في كثير من الروايات على أنه لا اجر له ولا ثوابه وخذ ثوابك منه فهذه كلها تدل على حط الثواب ولا تدل على بطلان العمل.

الثاني:- هو قوله تعالى (انما يتقبل الله من المتقين) فان الثواب والقبول يترتب على كون الشخص متقيا فكم من عمل صحيح الا يقبل وهو الأكثر من غير المتقين هكذا ، فهذه الآية تدل ايضا على ان القبول شئ والصحة شيء اخر.

ولكن هذان امران الأمر الأول مناقشته واضحة مما ذكرناه فان دلالة الأخبار على بطلان العمل وحط الأجر دلالة ضرورية أو مطابقية غير قابلة للنقاش, أما الاية الشريفة فالسيد الخوئي استشكل بالاستدلال بهذه الاية بانها اجنبية عن المقام بالكلية حيث وردت في قصة قتل قابيل لهابيل فهو اجنبي عن المقام , فالاية لا يمكن الاستدلال بها لكن تجريد لاية عن خصوصياتها مع انها في مقام بيان قاعدة كلية هو سلب روح هذه الاية فاختصاص هذه الاية بخصوص مورد القتل بعيد جدا ، إذ ان الله تبارك وتعالى بهذه الاية يريد ان يعطينا قاعدة كلية فلا شك ولا اشكال ان للتقوى مراتب كثيرة كما ان للقبول مراتب كثيرة فبعض مراتب التقوى ما يشار اله بالايمان بالله ورسوله ومن ياتي بالكبائر هو عدم التقوى ومن يرتكب الصغائر هو عدم التقوى, فعدم التقوى لا ينحصر بالمؤمن ياتي باعمال صغيرة بل يتحقق بالقتل وبترك الله والرسول واتيان الكبائر والصغائر ففي كل هذه المراتب القبول مختلف والقبول بالقسمين الأخيرين يساوقه حط الأجر والثواب وان كان العمل صحيحا فحينئذ هذه الاية لها خصوصية لها دلالة على ان القبول مساوق للتقوى والتقوى لها مراتب متعددة من مراتبها يساوق بطلان العمل ومن مراتبها يساوق الأجر والثواب فلم لا نجرب ذلك, فالاستدلال بالآية الشريفة على بطلان العمل أولى من أنّه نخص هذه الآية بخصوص الآية الشريفة, فحينئذ ما ذكره السيد المرتضى مخالفة لروايات الرياء ومخالفة لظاهر هذه الآية ايضا اذ اعلى درجات التقوى هو الايمان بالله ورسوله وادناها ارتكاب الصغائر, وحينئذ اذا ترك الايمان بالله فقد ترك التقوى وحينئذ يساوق عمله بطلان ذلك وفي موارد ارتكاب الصغائر ان عدم القبول يساوق حط الاجر فالاية الكريمة تامة الدلالة ولا اشكال فيه.

ثم يقع الكلام في مورد اخر سياتي بيانه ان شاء الله.